عقد "بيبي" الفاوستي

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

شالوم ليبنر*

القدس- في 13 شباط (فبراير) الماضي، وبعد التحقيق الذي بدأ في العام 2016، أوصت الشرطة الإسرائيلية بتوجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة. وأصبحت كل الأضواء الآن مسلطة على النائب العام أفيتشا ماندلبليت، الذي يجب أن يقرر ما إذا كان سيوجه اتهامات رسمية ضد شخص تحول فعلاً إلى مرادف للسياسة الإسرائيلية الحديثة. وإذا استمرت الحكومة الحالية حتى صيف العام 2019، فسوف يصبح نتنياهو رئيساً لإسرائيل. لكن من غير الواضح الآن ما إذا كان سينجح في ذلك أم لا.
منذ توليه منصب رئيس الوزراء في آذار (مارس) 2009 -وكان قد شغل هذا المنصب منذ حزيران (يونيو) 1996 حتى تموز (يوليو) 1999- شهدت إسرائيل تحت قيادته نمواً اقتصادياً غير مسبوق، وحققت سلسلة من الانتصارات الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الانقسامات، التي تزداد تطرفاً، السمة المميزة لولايته، وتدور الآن إشاعات هادئة عن حرب محتملة في سورية أو لبنان أو غزة. وسوف تقرر الطريقة التي سيتطور بها وضع نتنياهو الحساس وجهة الأحداث والتداعيات اللاحقة.
ليست تحقيقات الشرطة التي انتهت لتوها -تحت اسم "القضية 1000" و"القضية 2000"- هي التحديات القانونية الوحيدة التي يواجهها نتنياهو؛ فما تزال التحقيقات الأخرى بشأن الفساد مستمرة. ويمكن للتأثير المتلاحق لهذه الفضائح -التي تتضمن ادعاءات بقبول هدايا قيمتها الإجمالية 300.000 دولار لمدة عشر سنوات- أن يحدث خللاً في الديناميكية السياسية الهشة مسبقاً في إسرائيل، حيث كان لدى المنافسين داخل تحالف نتنياهو تأثير كبير عليه وعلى حزبه، الليكود.
سوف يحرص أعضاء الحكومة على عدم اتخاذ قرار مسبق بشأن مصير زعيمهم. لكنهم يراقبون عن كثب الاتجاه الذي ستهب منه الرياح السياسية. ولا يهتم وزراؤه بشكل خاص بإجراء انتخابات جديدة، ولكن لا أحد منهم يرغب في الغرق مع السفينة.
تبدو المعضلات التي تواجه موشيه كاهلون وزير المالية، ونفتالي بينيت وزير التعليم، واضحة للغاية. لكن لها حالياً تأثير قليل، والتي لن تكون مضمونة في التكوين الجديد للكنيست (البرلمان). ونتيجة لذلك، ومع تعمق الأزمة حول نتنياهو، ركز أعضاء حكومته على إظهار الإنجازات الشخصية لتصبح جذابة للناخبين على حساب مزاياهم الخاصة.
بما أن المأساة السياسية البطيئة تتسارع، سوف يبدأ نتنياهو في حشد المؤيدين لحماية براءته الخاصة ومنع أي عدو من التعجيل بانهياره. وسوف يجبر زملاءه في مجلس الوزراء على الابتعاد عن صخب الجرائم لكي يتمكنوا من تحقيق طموحاتهم السياسية طويلة الأجل، خاصة إذا بدأت الدعوة إلى الاستقالة في التصاعد.
يكمن خطر هذا الوضع الصعب في أن يصبح نتنياهو قادراً على تلبية مطالب الفصائل الأكثر طموحاً في تحالفه. وعلى سبيل المثال، سيشجع الصقور الذين يطالبون برد فعل قوي على العدوان الذي تنظمه إيران على مرتفعات الجولان، وكذلك أولئك الذين يصرون على توسيع بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. كما أن جماعات الضغط الأرثوذكسية المتطرفة ستضغط أيضاً على نتنياهو لكي لا يتطرق إلى القضايا الليبرالية اليهودية في إسرائيل.
ويمكن لأي من هذه الجماعات إثارة التمرد وإجبار ممثليها في الكنيست على فرض رقابة على الحكومة. وفي مواجهة هذه الضغوط، يمكن أن تكون تكلفة بقاء رئيس الوزراء السياسي باهظة.
من المفارقات أن علاقات نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب تجعل الأمور أكثر صعوبة. فقد شعرت الحكومة الإسرائيلية أنها لا تقهر في الولايات المتحدة -بدعم من قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها هناك، فضلاً عن عدائها الصريح لاتفاق إيران النووي للعام 2015.
ولكن، يبدو أن هذه الثقة تشهد تراجعاً ملحوظاً. ومن الواضح أنه قد تم تجاوز الخط الأحمر لإدارة ترامب مؤخراً عندما انتقد الناطق باسم البيت الأبيض نتنياهو، ونفى الإشاعات بأن المسؤولين الأميركيين ناقشوا خطة ضم الضفة الغربية مع نظرائهم الإسرائيليين. وإذا كان هذا الانتقاد يشير حقاً إلى خلاف متزايد، فإن أي تحول نحو تشديد مسار إسرائيل سيزيد من تعقيد علاقات البلاد مع الولايات المتحدة.
ليس نتنياهو مبتدئاً في السياسة، وهو يعرف بالضبط نوع المعضلة التي يواجهها. وإذا كان سيتعارض مع مبادئه وسيستسلم لمطالب تحالفه العدوانية، فإنه سيكون غير جدير بالمنصب الذي يشغله والبلد الذي يحكمه. وإذا كان سيقف أمام إغراء الحل التوفيقي، فهذا يعني نهاية حكمه. وتبدو الرهانات خطيرة جداً أكثر من أي وقت مضى -بالنسبة لنتنياهو وبالنسبة للدولة- التي ما يزال يقودها حتى الآن.

*مستشار السياسة الخارجية السابق لمكتب رئيس الوزراء في القدس، والزميل غير المقيم في مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق