د.أحمد جميل عزم

"مطيع وعمر" السينما و"نسرين" الإسعاف

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2018. 01:06 صباحاً

في ذكرى الشهداء تبزغ من أرض الروح حَنّونَة؛ على الأقل في روح أبنائهم وأحبائهم ورفاقهم، وفي روح عُشاق دربهم. وهذا الأسبوع بَزَغَت حَنونة "مطيع وعمر". ففي 15 آذار (مارس) 1978 ارتقت أرواحهما ولكنها لم تبرح الأرض كثيراً، مُعلّقَةً تنتظر إتمام المَهَمّة.
شهيدان عملا في السينما. قُتلا بعد أيامٍ من عملية كمال عدوان الفدائية، عندما أعلنت دلال المغربي واثني عشر شابا عربيا وفلسطينيا دولةً، على الساحل الفلسطيني، كما وصفها نزار قباني. وصارت دلال أغنيةً في الأعراس: "نِزلت دلال و12 شب عملية". وفي هذا الأسبوع من عام 2018 ظَهرَت نسرين وزملاؤها العاملون في الإسعاف، فاستُحضِرَت أغنية فيروز "أنا في أفيائكِ نسرينُ..". 
انتبهتُ أن غالبية مقالاتي في أيام الجمعة الأخيرة الفائتة تستحضر حدثاً تاريخياً في التعليق على حدث فلسطيني راهن، ولم يكن هذا مقصوداً. ولكن له دلالة؛ فالماضي يتكرر بمجده وانكساراته، بشموخه وألمه. ألمٌ لا يريده أحد، ولكن لن يزيله سوى تحقيق المَهمة. 
لمن لا يعرف منطقة البالوع، في مدينة البِيرة، فهي منطقة مليئة بالقصص. كقصة صديقي الذي أخبرني أمام زوجته، كم أتعبته، وهو يركض خلفها هناك في انتفاضة الأقصى تذهب للتظاهر أمام مقر القيادة العسكرية الاحتلالية. وهنا تخلّدَت صورٌ كثيرة، مَن يرقص الدبكة وهو يرمي حجرا على الاحتلال، لأنه "يبني سقف السماء". وهناك ذهبَ شباب بيرزيت هذا الأسبوع، لا يتحدون فقط غزوة "المستعربين" الغادرة على حرمهم الجامعي قبل أيام، بل كانوا يتذكرون أيضاً صديقهم الشهيد ساجي درويش، الذي استشهد في مثل هذا الأسبوع عام 2014، وكان يركب فرسه في قريته ذاهباً لإطعام خرافه، فقتلوه. فأحضر أصدقاؤه جثمانه، وقد أصبحت الجامعة كُلّها، أصدقاءه، جاؤوا به مُكفّناً بالعلم، وجالوا فيه الجامعة، وظل أُستاذَهُ يسجله حاضراً في كل محاضرة، مع أنّ الطلاب أعلنوه خريجاً ناجحاً بمرتبة الشرف. وهناك أصاب الجنود هذا الأسبوع شباب بيرزيت، فركضت المتطوعة في الإسعاف، نسرين عميرة (19 عاما) تصرخ أن الإصابة بالرأس، وتحث زملاءها الإسراع. اشتبك المسعفون بأيديهم مع الجنود، يتمسكون بأجساد المصابين، وأطلق الجنود الرصاص، سنتمترات فوق رؤوسهم. وانتصر المسعفون وأوصلوا المصابين المستشفى.
هؤلاء المسعفون جزء من فرق اسعاف تراها في كل مكان في فلسطين، غالبية أعضائها متطوعون، لا تلتقط الكاميرا أفعالهم كما جرى هذه المرة.
 في عام 1978، كان إبراهيم مصطفى ناصر (مطيع)، وعبد الحافظ الأسمر (عمر)، في السادسة والثلاثين من عمرهما، انضما للثورة، العام 1966، في سن الرابعة والعشرين.
كانا تلميذين لهاني جوهرية، الذي بدأ عمله في وزارة الإعلام الأردنية، يُصدر ما كان يسمى الجريدة السينمائية، ثم تفرغ للمقاومة السينمائية. وكان 11 نيسان 1976، عندما ذهب مع قادة سياسيين وشعراء إلى عينطورة في جنوب لبنان، على أن يعود معهم مساء، ولكن مشهد الثلوج والمقاتلين أسره، وقرر البقاء لالتقاط صور لأفلامه. وفي يوم تال يمّم وجهه مع المقاتلين، يحمل الكاميرا، نحو الخط الأمامي، فواجهَتهُم نيران الاحتلال، وصَوّر قذيفة تنطلق من دبابة، وتابعها حيث تسقط، فسقَطَت قُربه، واستشهد.
انتقل مطيع وعمر على يد هاني، من البندقية إلى الكاميرا، يُجسدان مقولةَ كاتبٍ قال عند استشهادهما، إنّهما آمنا أنّ فلسطين تتحرر "بالطلقة واللقطة". فحين بدأ الهجوم الاسرائيلي على بنت جبيل فجراً، أسرعا لتوثيق الجريمة، وكانا هناك في الثامنةِ صباحاً. أُطلِقَت النار عليهما وعلى صحفيين آخرين، فالتجآ لملجأ أرضي، أطلق الجنود الرصاص عليه مُطوّلاً، وتلى ذلك تمشيط طائرات الاحتلال الأرض برشاشات وصواريخ. وخرجا يصوّران الطائرات، فاستهدفتهما رشاشات الدبابات، فجرحا، وعادا للملجأ. وبعد ساعتين عاد صحفيون آخرون للبحث عنهما، فخرجا من الملجأ، وسقطا أرضاً، والنيران مستمرة، فصرخ الصحفيون نحو الدبابة أنهما صحفيان جريحان لا سلاح معهما. فتوقفت الدبابة، ثم جاء جنود مشاة من خلفها وأفرغوا رصاصهم فيهما، فارتقيا شهيدين.
نسرين كانت ترى الجرحى في المظاهرات قرب مدرستها القريبة من سجن عوفر، فتطوعت مسعفةً، رغم أنّها فنية أسنان. ودلال المغربي كانت لاجئة قررت العودة لفلسطين. والمُسعفون الشُبّان يعرفون تاريخاً كان هاني، ومصطفى، وخديجة، ومعين، وعمر، وكل السينمائيين، والذين لا بد من العودة للحديث عنهم أكثر، يخبئونه لهم، لحين إتمام المَهَمّة (النصر). 

التعليق