معالجة الجانب المظلم في العالم المشفر

تم نشره في الاثنين 19 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

كريستين لاغارد*

إن سبب جاذبية الأصول المشفرة (أو ما يسميه البعض العملات المشفرة) هو نفسه ما يجعلها أصولا خطرة. فهذه الإصدارات الرقمية عادة ما تنبني على أساس لا مركزي ودون الحاجة إلى البنك المركزي، وهو ما يسمح بتداولها دون الكشف عن هوية الأطراف المتعاملة، فيما يشبه المعاملات النقدية إلى حد كبير.
والمحصلة النهائية هي أننا قد نكون بصدد أداة رئيسية جديدة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهناك مثال شهدناه مؤخرا يكشف النقاب عن نطاق هذه المشكلة.
ففي تموز (يوليو) 2017، أُغلِق سوق ألفاباي (AlphaBay)، أكبر أسواق المعاملات غير المشروعة على شبكة الإنترنت، من خلال عملية دولية قادتها الولايات المتحدة.
وكان هذا السوق قد ظل لأكثر من عامين ساحة لبيع المخدرات وأدوات القرصنة الإلكترونية والأسلحة والمواد الكيميائية السامة على مستوى العالم. وقبل إخراج الموقع من شبكة الإنترنت، كان قد تم تداول أكثر من مليار دولار أميركي عن طريق عملة البيتكوين وغيرها من الأصول المشفرة الأقل شهرة.
ولا شك أن غسل الأموال وتمويل الإرهاب يشكل بُعدا واحدا فقط من هذا الخطر. وشكل الاستقرار المالي بُعدا آخر. فالنمو السريع للأصول المشفرة، والتقلب الحاد في أسعار تداولها، وروابطها غير المعرفة بدقة مع العالم المالي التقليدي، كل ذلك يمكن أن ينشئ مكامن خطر جديدة.
ومن ثم فإننا بحاجة لتطوير الأطر التنظيمية حتى تواجه هذا التحديد الناشئ. وكثير من المنظمات بدأت بالفعل.
ومن الأمثلة الإيجابية في هذا الصدد مجلس الاستقرار المالي (FSB) الذي ينظر في القواعد اللازمة لمواكبة التطور في التكنولوجيا المالية. وهناك مثال آخر هو فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال (FATF) – الجهة المسؤولة عن وضع المعايير لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد قدمت فرقة العمل بالفعل إرشادات مفيدة للبلدان حول كيفية التعامل مع العملات المشفرة وغيرها من الأصول الإلكترونية.
وصندوق النقد الدولي يعمل على هذه القضايا أيضا. فقد ظل وقف ممارسات غسل الأموال وتمويل الإرهاب جزءا من عمل الصندوق على مدار العشرين عاما الماضية. وبناء على المعايير التي وضعتها فرقة العمل للإجراءات المالية، أجرينا 65 تقييما للأطر التنظيمية في البلدان الأعضاء وقدمنا مساعدات لتنمية القدرات في 120 بلدا عضوا. وركزت جهودنا على مساعدة البلدان الأعضاء في التعامل مع شبح التدفقات المالية غير المشروعة.
لكننا ندرك أنه يتعين عمل المزيد لإحكام السيطرة على الخطر الناشئ الذي تجلبه الأصول المشفرة وإرساء نظام مالي مستقر. فمن أين نبدأ؟  
يمكننا البدء بالتركيز على السياسات التي تضمن النزاهة المالية وتحمي المستهلكين في العالم المشفر مثلما فعلنا مع القطاع المالي التقليدي.
والواقع أن الابتكارات التي تعطي القوة للأصول المشفرة هي التي يمكن أن تساعدنا في تنظيمها.
وبعبارة أخرى، يمكننا مكافحة الحريق بالنار.
فالتكنولوجيا التنظيمية والتكنولوجيا الرقابية يمكنهما المساعدة في إقصاء المجرمين من العالم المشفر.  
وسيستغرق الأمر عدة أعوام حتى ننتهي من تنقيح وتنفيذ هذه الإجراءات المتقدمة. وهناك مثالان يسلطان الضوء على الإمكانات الواعدة التي ينطوي عليها استخدام هذا المنهج على المدى الطويل:   
تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة (DLT) يمكن استخدامها لتسريع تبادل المعلومات بين الأطراف المتعاملة في السوق والأجهزة التنظيمية. فيجب أن تتاح إمكانية التواصل بسلاسة بين أصحاب المصلحة المشتركة في الحفاظ على معاملات مأمونة وسالمة عبر شبكة الإنترنت. والتكنولوجيا التي تتيح إجراء معاملات عالمية فورية قد يتسنى استخدامها في إنشاء سجلات بالمعلومات القياسية الموثقة عن العملاء إلى جانب التوقيعات الرقمية. ومن خلال استخدام البيانات بصورة أفضل، تستطيع الحكومات تحرير موارد لاستخدامها في الاحتياجات ذات الأولوية والحد من التهرب الضريبي، بما في ذلك التهرب المتعلق بالمعاملات العابرة للحدود.
القياسات الحيوية والذكاء الاصطناعي وعلم التشفير يمكن استخدامها في تعزيز الأمن الرقمي وتحديد المعاملات المشبوهة خلال مدة قصيرة أو على أساس آني. ومن شأن هذا أن يساعد أجهزة إنفاذ القانون على التحرك العاجل لوقف المعاملات غير المشروعة. وهذه واحدة من الطرق التي يمكن أن تساعدنا في إزالة "التلوث" من بيئة الأصول المشفرة.
كذلك ينبغي أن نضمن تطبيق نفس قواعد حماية المستهلكين في كل من المعاملات الرقمية وغير الرقمية. وتطبِّق حاليا الهيئة الأميركية للأوراق المالية وعمليات البورصة* وغيرها من الأجهزة التنظيمية حول العالم نفس القوانين على بعض عمليات الطرح الأولي للعملات الرقمية (ICOs) مثلما تطبقها على الأوراق المالية الاعتيادية، مما يساعد على زيادة الشفافية وتنبيه المشترين إلى المخاطر المحتملة.  
ولكن ما من بلد يمكنه مواجهة هذا التحدي بمفرده.
كل هذه الجهود تتطلب تعاونا دوليا وثيقا حتى تكون فعالة بحق. فنظرا لأن الأصول المشفرة لا تعرف حدودا، يجب أن يكون الإطار المستخدم في تنظيمها إطارا عالميا أيضا.
وقد تم إغلاق سوق "ألفاباي"، على سبيل المثال، بتعاون دولي ناجح من مكتب الشرطة الأوروبي (اليوروبول) وأجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة وتايلند وهولندا وليتوانيا وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا.  
وسيكون على البلدان أن تقرر بصورة جماعية إذا كان هذا المسار يستحق السير فيه. ومن المبشر في هذا الصدد أن مجموعة العشرين اتفقت على وضع الأصول المشفرة على جدول أعمال القمة المقرر عقدها في الأرجنتين في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم.
وسيقوم الصندوق بدوره في هذا الجهد. فنظرا لعضويتها التي تشمل جميع أنحاء العالم تقريبا وما نمتلكه من خبرة فنية، بما في ذلك خبرتنا في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فنحن نتمتع بوضع فريد يسمح لنا بأن نكون منتدى يساعد على بلورة حلول في فضاء الأصول المشفرة الآخذ في التطور.  
ما الخطوة التالية بشأن الأصول المشفرة؟
إن تقلب الأصول المشفرة دعا إلى حوار مكثف حول ما إذا كانت مجرد فقاعة، أو صرعة جديدة، أم أنها ثورة تعادل ظهور الإنترنت وستؤدي إلى اضطراب القطاع المالي بالكامل وينتهي الأمر بأن تحل محل العملات الورقية الرسمية.  
إن الحقيقة تقع في نقطة ما بين طرفي النقيض.
وكما قلت مرارا من قبل، ليس من الحكمة رفض الأصول المشفرة؛ بل يجب أن نرحب بإمكاناتها مع الإقرار بالمخاطر التي تصاحبها.
وبالعمل المشترك، وتسخير التكنولوجيا للصالح العام، يمكننا الاستفادة من إمكانات الأصول المشفرة، مع ضمان ألا تصبح يوما ما ملاذا للنشاط غير المشروع أو مصدرا للضعف المالي.  

*مدير عام صندوق النقد الدولي

التعليق