جميل النمري

السعادة والتعاسة

تم نشره في الاثنين 19 آذار / مارس 2018. 01:07 صباحاً

احتلت فنلندا المركز الأول في التقرير عن مؤشر السعادة الذي نشر الأسبوع الفائت، فبادرت لسؤال ابنتي التي تدرس الماجستير هناك عن رأيها، فقالت هم لطفاء لكن لا أرى الناس يطيرون بهجة في الشوارع.
المؤشر لا يقوم على استطلاع رأي يطلب من الناس أن يقولوا كم هم سعداء، بل يشبه تقارير التنمية البشرية؛ حيث يتم أخذ مجموعة مؤشرات ذات صلة مثل حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر، ونسبة إنفاق الدولة على الخدمات والرعاية الاجتماعية ومستوى الحريات وغياب الفساد في القطاعين العام والخاص...الخ. واعتمد تصنيف هذا العام معايير إضافية مثل ظروف العمل وخدمات الرفاهية وتوزيع الثروة، ويأخذ أيضا المسح العالمي لأحوال السعادة الذي يجريه معهد جالوب الأميركي.
بهذه المعايير تظهر دول شمال أوروبا غالبا بوصفها الدول الأكثر سعادة مع أن الشتاء الطويل وليل يمتد لعشرين ساعة خلال نصف عام يفترض أن يقود الى الكآبة، ولعل هذا لا يظهر في المؤشرات. وعلى جبهة أخرى، تظهر دول الخليج الغنية في مقدمة الدول العربية في مؤشر السعادة؛ الإمارات أولا وهي بالمناسبة وصلت قبل عامين لدرجة تعيين وزير لـ"السعادة"، تليها قطر ثم السعودية والبحرين والكويت. واعتمادا على المؤشر نفسه، تظهر مصر في الموقع المتأخر رقم 14 عربيا، بينما الأردن رقم 8، مع أن المصريين يتسمون بالرضا والمرح ونحن الأكثر تجهما وشكوى.
هناك اعتراض على المعايير، وثمة دولة صغيرة هي مملكة بوتان على جبال الهمالايا أنشأت مؤشرا خاصا بها، وهي تعتمد مؤشر ناتج السعادة القومي بدلا من الناتج القومي الإجمالي الاقتصادي، وحسب السؤال الأبدي المطروح: أيهما أهم السعادة أم المال؟ يجيب ملك بوتان أن السعادة في الحياة لا ينتجها الثراء فقط.
لقد انتقلت فنلندا من المركز الخامس العام الماضي الى المركز الأول هذا العام مكان النرويج، ولا نعتقد أن حال الناس انقلب من عام لآخر بين البلدين، لكن المؤشرات الرقمية في مجالات مختلفة قد تكون تغيرت بصورة طفيفة، فقلبت الترتيب من دون أن يكون قد تغير شيء على المزاج العام. وبالتأكيد فإن دول شمال أوروبا وبضعة بلدان أخرى تتشارك في الحالة المتقدمة للاقتصاد والخدمات والرفاه الذي يعطيها باستمرار المركز المتقدم منذ بدأ اعتماد هذا المؤشر. وكذلك الحال للدول متوسطة النمو والدخل مثل الأردن الذي يحتل الموقع 88 من بين 150 دولة يشملها التقرير لكن هل هذه العوامل وحدها هي التي تقرر سعادة الناس؟
كان أول تقرير حول السعادة صدر العام 2012، ثم تم اعتمادة سنويا منذ العام 2013، وتقرير هذا العام هو الخامس الذي تنشره شبكة الحلول المستدامة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، ويتم الاحتفال بيوم السعادة عالميا بتاريخ 21 آذار (مارس)، لكنه ليس معتمدا بصورة رسمية في الدول ولا يتم النظر اليه بالجدية نفسها مثل أعياد عالمية أخرى راسخة، وقد يتطلب الأمر مزيدا من الوقت حتى يأخذ مكانته المعنوية والثقافية، وقد تطرأ تطورات على المفهوم والمعايير المعتمدة له. ويبقى السؤال حول اذا ما كان ممكنا بكل حال أن يكون هناك مقياس إجمالي حقيقي لسعادة الأفراد، ناهيك عن قياس السعادة لشعب بأسره، والأسهل حقا هو قياس التعاسة التي يمكن إحصاء رؤيتها حرفيا في سورية واليمن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التساوي Egalitarian (بسمة الهندي)

    الاثنين 19 آذار / مارس 2018.
    الحقيقة مؤشر السعادة عمل جدي عميق فكريا وعلميا وإن كان ذلك لا يمنع نقده من أجل تطويره. المهم في تلك المحاولات هي أنها تركز على البعد الانساني للمؤشرات (أنسنة المؤشرات). كما أنها تؤكد أن هناك اختلاف بين الشعوب والدول من حيث الظروف المعيشية.
    المصطلح المهم المستخدم في قياس مؤشر السعادة هو well-being (ليس له ترجمة عربية مقنعة) ولذلك لم استغرب جواب ابنتك المجتهدة (الله يوفقها بدراستها) عندما استخدمت تعبير بهجة Joy. هناك دائما خلط بين Joy و well-being عند الحديث عن مؤشرات السعادة.
    الملاحظة الاهم في نتائج مؤشر السعادة للسنة الحالية هو أن المهاجرين migrants في الدول السعيدة هم ايضا سعداء؛ هذا يؤكد ان للسعادة بنية تحتية وبيئة وأنظمة تكرسها وتحميها.
    وأنا ايضا استاذ النمري اعرف فنلندا وأعرف لماذا الفنلنديين سعداء ولكن سأكتفي بأمر واحد وهو التساوي Egalitarian بمعنى ليست هناك فروقات حادة بين الناس، فليس هناك مثلا تعليم خاص في فنلندا فكل التعليم عام ومجاني وممتاز. الفنلنديون شعب يملك خيال واسع ولذلك تمتاز بالتصميم design بمجالات متعددة. سأكتفي بما قلته !