عَمار يا مصر

تم نشره في الاثنين 19 آذار / مارس 2018. 01:06 صباحاً

يقول صديقي الذي يطالبني باستكمال حديثه عن مصر لأن نصف الكلام "مش كلام" إنه لم يدرس في مصر، وإنه ليس مديناً لها في ذلك كما الآلاف المؤلفة من العرب الذين درسوا فيها وتخرجوا بالمجان إبان العقود السالفة.
وأضاف أنه ذُهل بعد نشر حديثه السابق وظهوره في "فيسبوك" من تعليقات بعض المثقفين السياسية النارية عليه، وقال: قصدت بوصف مصر أنها أعمق دولة في العالم، لاستمرار الدولة المصرية في الوجود على الرغم من تغير النظام، بينما يسقط كثير من الدول إذا تغير النظام، إلا الدول الديمقراطية العريقة اليوم التي تستمر في البقاء وإن انتقل الحكم من حزب إلى آخر. وعليه تستحق مصر وصفها بالمحروسة.
وأردف: قبل زيارتي النادرة لمصر، كنت أتصور أنها محرومة، وإذا بي أجدها تعج بالسلع والخدمات المصرية والأجنبية، ومن جميع الأنواع والمستويات، وأنه إذا كان سعر الجنيه منخفضاً بالمقارنة والأسعار مرتفعة، فإن الشعب المصري "عايش ومدبر حاله" معهما، وبخاصة لأن أسعار الطاقة والكهرباء والنقل متدنية وكثيرا من السلع مدعومة. كما صارت الخزانة ممتلئة بالعملات الصعبة بعد تحرير الجنيه الذي كان يستفيد من غيابه الصرافون الإرهابيون الذين كانوا يتصيدون العملات الصعبة بأعلى من السعر الرسمي ويهربونها إلى الخارج لزعزعة النظام الاقتصادي وإسقاط النظام السياسي.
وأضاف: ومما يُسرّ القلب ويُعلي من الشأن حب المصري الشديد المعروف لوطنه في جميع الأوقات والأوضاع ورفضه المساومة عليه، وإن قدم الإسلاميون فيه الدين على الوطن. أما الدليل المباشر على هذا الحب الوطني فتحويل المصريين العاملين في الخارج 28 بليون دولار في السنة الماضية إلى بلدهم.
والشعب المصري شهمٌ وكريم مهما كان حاله، فعندما تظاهرتُ لبائع شريحة للهاتف أنني نسيت الفلوس في الفندق فتح جاروره وأخرج كمشة من المال وقدمها لي من دون أن يعرفني. كما أنه شعب ودود للغاية، فكل من تتحدث معه ينفتح لك وبكل سرور. وتزيد لهجته المصرية الناعمة في وده وحبك له. حقاً أن مصر أرض الكنانة (الجعبة أو الذخيرة) وأم الدنيا كما يقال وإلا ما وصف بقية العرب أنفسهم بالأشقاء ومصر بالشقيقة الكبرى.
ومما حَزّ في نفس صديقي، محدثي، عدم ذكر تجربته الخاصة في معرض الكتاب في المقال/ الحديث السابق، فقد كان يضع في جيب المعطف الخارجية وهو يتجول في معرض الكتاب المزدحم بالناس جنيهات ورقية لا قليلة ولا كثيرة وطرفها بائن للعيون. وكان كل من يراها ينبهه إلى ذلك ولكن أحداً لم ينشلها كما حدث معه في إحدى المدن الأوروبية.
سألته: لماذا فعلت ذلك؟ فقال: لأثبت أن الشعب المصري أمين ولأنفي الإشاعة أو التعميم الخاطئ عنه. لا يدعي محدثي أن مصر خالية من الصعوبات والمشكلات والتحديات والأخطار، فهي كثيرة ومعروفة عند الجميع.
ولأن محدثي مختص في التاريخ ومعلم سابق له، فقد ذكر أن جميع المصريين –ما عدا الوافدين والمستوردين- أقباط؛ أي أنهم مصريون أصليون، ولكن الدين قسمهم إلى مسلمين أكثرية اتخذت العروبة هوية لها، وأقباط (أقلية) بقوا وكأنهم طارئون في نظر من لا يعرفون التاريخ مع أنهم العلامة السكانية الباقية على الأصالة. ثم قال: أما قولي: عَمَار يا مصر فدعاء إلى الله أن يعمّر مصر وأن يعمر الأردن وكل بلد عربي، ولكن يبدو أن هذا الدعاء يستفز الإرهابيين الذين يعملون على تخريبها ليحكموا غير آبهين بحياة ومصير مائة مليون من شعبهم كما فعلوا في سورية والعراق وليبيا.
عندما تنجح مصر في تصفية الإرهاب -تنظيمات وفكراً- وتضمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن كل واحد في العالم سيتمنى زيارتها، فمصر أم الدنيا كما ذكرت، وسيزيد عدد السواح إليها على عدد سكانها كما هو الحال في إسبانيا التي لا تملك كنوزاً سياحية مثل كنوز مصر.
واختتم حديثه قائلاً: يبدو أن حالة شاهد "مشفش" حاجة تسيطر على مئات المثقفين العرب الذين يدعون سنوياً إلى مصر للمشاركة في نشاطاتها الثقافية فلا يتكلمون عنها عندما يعودون. يستقتلون ليُدعو(ن) ثم يسكتون عندما يعودون.
وأخيراً سألته: لماذا لم تتحدث بالسياسة؟ فأجاب: هذا موضوع حساس يا أخي ويفتح الباب للخلاف. أنا أتحدث لك كزائر أو كسائح لا كسياسي.

التعليق