"سامحونا على الفوضى.. فنحن نصنع الحياة"

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

منال أحمد كشت

قام ابني عبد الله، 4 سنوات، بكسر كأس زجاجية قبل بضعة ايام فهرع الى اخته هبة، 5 سنوات، طلبا "للفزعة" فأجابته بكل هدوء: "مو مهم شو صار بالكاسة، المهم انت منيح". ونظرت الي بحزم حتى لا أقوم بتوبيخه من مبدأ "هو داخل علي". فضحكت وقمت بتنظيف شظايا الزجاج بعد ان تأكدت من انه بخير.
في الواقع انا استيقظ كل يوم على بيت مزدحم بضجيج أطفالي وضحكاتهم ومشاجراتهم وطلباتهم؛ القصص والالعاب المتناثرة في كل مكان، اثار الالوان على كل الجدران والكنابايات وحتى الأرضيات، الملابس والاحذية المبعثرة في كل الزوايا، فارفع صوتي غاضبة مطالبة بترتيب كل الفوضى ولكن بلا فائدة، فأقوم بترتيب الفوضى بنفسي وانا اتمتم واتوعد بأنني سألقي كل شيء في سلة المهملات ولا تمضي نصف ساعة ليعود الوضع الى ما كان عليه واكثر.
ما يصدمني فعلا هو "بوستات" الأمهات على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدثن فيها عن شعورهن بالاحباط من هذه الفوضى ومطالبتهن "بحلول جذرية" للحصول على بيوت مرتبة نظيفة متسقة واقتراحات للتعامل مع تلك "الوحوش الصغيرة" التي لا تمتثل للأوامر. واشعر بالذهول امام النصائح والردود التي تشعرك بان المكان الأفضل لهذه "المخلوقات" هو المخيمات العسكرية؛ حيث تتراوح العقوبات ما بين الضرب والحرمان والتخويف والمنع من اللعب ومصادرة الممتلكات وعدم المشاركة في الأنشطة الترفيهية وسحب كافة الامتيازات. وكأن هؤلاء الاطفال سيجلسون حقا يتفكرون نادمين فيما اقترفت اياديهم من "آثام وشرور" ويشعرون بالخجل من أنفسهم على ازعاج من أفنت حياتها في تربيتهم وتنشاتهم وكيف انهم يفسدون حياتها ويشعرونها بالتعاسة بسبب تصرفاتهم "الطفولية".
من الطبيعي ان يقوم اطفالنا بإثارة الفوضى وافتعال المشاكل والتخريب والتكسير والضرب والرسم على كل شيء والتحدث بقلة أدب امام الآخرين وعدم تناول الخضار والبكاء والشتم وإحراجنا امام الآخرين في الأماكن العامة والتصرف بأنانية والشعور بالغيرة وطلب اقتناء مئات الالعاب بحجة انه ليس لديهم أيا منها وتمزيق ملابسهم الجديدة، خصوصا في الأعياد، اثناء اللعب، وبلع الأشياء المقرفة ورفض ربط حزام الامان في السيارة وعدم الاستحمام ورفض النوم في الموعد المحدد، فهذا تماما ما فعلناه نحن بامهاتنا ونحن صغارا.
 لكن السؤال اننا متى سنسمح لهم كأمهات بممارسة حقهم في الطفولة التي لن تعود لهم يوما؟ متى سنترك لهم المجال للاستكشاف والتعلم بلا قيود؟ متى سنرحمهم من القوانين والقواعد التي نتفاخر بها امام الأمهات الأخريات ونجبرهم على اتباعها؟ متى سنتخلى عن قلقنا من رأي الآخرين بطريقة تربيتنا لاطفالنا وعن هوسنا لسماع "ابنك كتير مؤدب وشاطر ومرتب"؟ متى سنتوقف عن احراج اطفالنا امام الآخرين بطلبنا منهم الغناء او عد الأرقام  حتى لا يقال "ابنهم احسن من ابنا"؟ ما نفعله مع اطفالنا هو مصادرة وانتهاك لحقوقهم، استقواء، وإهانة لكرامتهم لانهم عاجزون عن الرد بالمثل علينا. من منا تجرؤ على التعامل بهذا الأسلوب مع والدها او زميلتها او جارتها؟ بالطبع لا نجرؤ على ذلك.
لنستمتع مع اطفالنا، لنلعب معهم، لنسمع لهم، لنسمح لهم بالحياة دون القيود التي نفرضها على أنفسنا خوفا من ردة فعل المجتمع من ان يقال لنا "ام فاشلة". فأنت كأم لم ولن تكوني فاشلة يوما ولا يوجد معيار ثابت علينا جميعا اتباعه لنستنسخ أطفالا متميزين، فاطفالنا متميزون باختلافاتهم وتنوعهم، وكما تردد ابنتي دائما " كل واحد فينا شاطر بطريقته، مو لازم نكون كلنا زي بعض".
يكفينا طلبا للنصائح ويكفينا ادعاء للمثالية فنحن حقا عاجزون عن وضع هؤلاء الصغار في القوالب التي أردناها لهم، فلنحب اطفالنا بما هم عليه ولنغمرهم بالكثير من الحب والحنان، فذلك لن يفسدهم بل سيمنحهم الشعور بالامان لينشأوا بصحة نفسية سليمة. دعونا لا نمارس عليهم التنمر لانهم اطفال، دعونا لا نهضم حقوقهم لانهم غير قادرين على انتزاعها منا، دعونا نراعي مشاعرهم لانها قابلة للكسر. هؤلاء الملائكة بحاجتنا لحمايتهم من عالم مخيف، مخيف جدا، يملؤه الظلم والخوف والاستبداد والحروب والمجاعات، فلنكن لهم سندا بدلا من ان نكون "مع الدنيا عليهم".
سنقف يوما على باب غرفهم نتأمل أسرتهم المرتبة الخالية ودواليب ملابسهم الفارغة ولن يبقى لنا الا ذكرياتهم وبقايا روائحهم، سنفتقد كل تلك الالعاب والكتب والالوان والضحكات وحتى المشاجرات. سنكبر ونشعر بالضعف والوحدة وسنشتاق كثيرا لذلك الضجيج وذلك الصراخ وتلك الفوضى. فلنحبهم وكفى.

التعليق