ستيفن هوكينغ.. عالم الأكوان المُجلّي

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

الدكتور حازم نسيبة

نَعَت الأنباء عالم الأكوان المُجلّي ستيفن هوكينغ، أحد أبرز العقول العالمية الجبارة، صاحب كتابه المرجع العظيم بعنوان "موجز في تاريخ الزمن"، الذي بيعت منه عشرات ملايين النسخ على امتداد العالم، وتمت ترجمته إلى جميع اللغات الحيَّة، بما في ذلك لغتنا العربية الشريفة، حيث توليت ترجمة كتابيه المرموقين "موجز في تاريخ الزمن"، والكتاب الأخير الذي وضعه بعنوان "التكوين العظيم" والذي يُعبِّرُ تعبيراً مذهلاً صادقاً عن آخر ما توصل إليه العقل البشري من أحدث نظريات وتصورات الكون، وعلم الفيزياء خاصاً بالكون العظيم ومكوناته وإعجازه وقوانينه وسُننه. وقد توليت ذلك بمجهود شخصي بهدف نشر العلم والمعرفة والوعي بما توصل إليه العالم من اجتهادات حول لُغز الوجود وماهية الحقيقة والمعجزة الخارقة في تصميم الكون العظيم.
العالم الراحل هوكينغ يعتبر في مرتبة علمية مساوية لأينشتاين ونيوتن وجليليو، وأقرانهم عبر العصور.
العلماء يصفون الكون من خلال نظريتين أساسيتين وهما أعظم إنتاج علمي في القرن العشرين: الكون، بل الأكوان بأبعادها الشاسعة اللامتناهية، والثانية ميكانيكا الكم التي نتعامل مع جزئيات وجسيمات غاية في الصغر مثل جزء من مليون مليون البوصة.
كان من بين النظريات الأساسية الأخرى نظرية توسع الكون منذ الانفجار الكبير (The Big Bang)، عندما كان الكون صغيراً إلى درجة منتهى الصغر قبل 13.7 مليار نسمة. بيد أن كتاب هوكينغ الأخير الذي توليت ترجمته إلى العربية ونشره بعنوان "التصميم العظيم" يذهب إلى أبعد من ذلك كثيراً في سعيه للوصول إلى ما تُسمّى بنظريات التوحيد الكبرى، والتي يقدمها كتاب هوكينغ كأقرب المحاولات للتوصل إلى النظرية الكبرى الموحدة، في القرن الحادي والعشرين الحالي.
إنها مجموعة من القوانين تُقرأ معاً، وليست قانوناً واحداً، والتي تتحدث عن وجود أكوان عديدة مختلفة، وليس كوناً واحداً فحسب، وبقوانين طبيعية مختلفة لكل منها. لأبعاد (Dimensions) تصل إلى أحد عشر بُعداً، بدلاً من الأبعاد الأربعة المتعارف عليها.
إنها تتوقف على كيفية انعطاف الحيّز الداخلي فيها (Internal Spaes). هذا يعني وجود عشرة أكوان أو عوالم مختلفة، لكل واحد منها قوانينها الخاصة بها.
كم هي المسافة التي أتمَّ العلماء قطعها، منذ كان الفلاسفة والعلماء يعتقدون بأن الأرض ثابتة في مكانها، وفي صدارة الكون، وتدور حولها الكواكب والنجوم!
لم يكن يخطر ببالهم بأن تلك النجوم تتكون من 200 مليار نجم في درب التبانة وحدها، التي ينتمي نظامها الشمسي لها؛ وأن هنالك 155 مليار "مجرة" في الكون التي تمكّن العلم الحديث من مراقبتها حتى يومنا هذا، والحبل على الجرار. ولا حدود إطلاقاً لمزيد المزيد منا؛ وأن الشمس ليست سوى نجمة متوسطة الحجم في واحدة من مجرات هذا الكون الهائل، تدور حولها الكرة الأرضية التي نعيش فيها.
يكشف هوكينغ النقاب عن حقائق مذهلة، هي التي مكَّنت من وجود الحياة الذكية على الكرة الأرضية، والتي لولاها لما كانت هنالك حياة مثل التي نعيشها. فلو كان للأرض شمسان بدلاً من واحدة لكان مصيرها الزوال، إمّا نتيجة الحرارة اللاهبة أو البرودة القارصة كذلك كرويتها وبعدها أو قربها عن الشمس، لأن الكثافة هي التي تُقرر حجم الطاقة التي تصدر عن النجم.
يصف العلماء المناطق القابلة للحياة بأنها حزام ضيّق حول النجم يكون الطقس فيه معتدلاً يسمح بوجود الماء، "وجعلنا من الماء كل شيء حي"، ويُسمى هذا الحزام الضيق بالمنطقة الذهبية.
هل جاء هذا التوافق الدقيق عبثاً أو صدقة أو استثناءً صارخاً؟ أم أن الإجابة هي ما نؤمن به كأصحاب الديانات السماوية، وكما عبَّرت عنه الآية الكريمة "وكل شيء خلقناه بقدر".
كذلك الأمر بالنسبة للمواد التي تشكَّلت منها باكورة خلق الكون، وهي الهيدروجين والهيليوم وبعض الليثيوم. حيث تنص قوانين الطبيعة على كون تلك المواد قابلة لإنتاج الكربون الثقيل والذي تكوَّن في الأفران التي هي النجوم على امتداد بلايين السنين والتي تكونت منها النجوم والمجرات، بفعل الإرادة الإلهية كما نعتقد أو بفعل "الحتمية الطبيعية" للخلق كما يعتقد مؤلف الكتاب. هذا ما عبّر عنه الفلاسفة الأولون ومعظم اللاحقين من وجوب ما يسمونه "بالسبب الأول" أي الخالق سبحانه.
ويتساءل كوكينغ: ماذا نستطيع أن تقول إزاء هذا التوافق التام والدقة المطلقة في قوانين الطبيعة الأساسية. ليس بالإمكان إرجاع ذلك إلى الحظ، بل إن له أبعاداً فيزيائية وفلسفية عميقة إن كوننا والقوانين التي تحكمه يتسمان بتصميم هادف مُعدِّ بدقة متناهية لوجود الكون ووجودنا ضمن مخلوقاته. هذا التصادف المذهل في الدقة هو بفعل مصمم عظيم هو خالق الأكوان.
وحتى لا يبدو ما تقدم صفصفة ذهنية، فإن ما تقدم من نظريات فيزيائية هي التي أعطت العالم الطاقة النووية وثورة الميكرو إلكترونيات وثورة المعلومات، وهي ثورة مستمرة لا تتوقف، ومن شأنها تغيير مصير الإنسان وأنماط الحياة في هذا العالم: وإن من واجب أمتنا العربية أن تساهم في هذه الجهود العلمية الجبارة، والتي يتوقف عليها مستقبلنا بل ووجودنا بين الأمم الناهضة. هذا ما نرجوه ونتوخاه.

التعليق