الكرامة تجذّرت في الذاكرة والوجدان

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • ذكرى مرور 50 عاما على معركة الكرامة (أرشيفية)

محمد الشواهين

كما هو معلوم، خاض العرب في تاريخهم الطويل معارك عديدة خلدها التاريخ، مع الروم والفرس والفرنجة والمغول والتتار، قبل الاسلام وبعده، اما في التاريخ المعاصر فخضنا معارك مع المستعمر الأوروبي، الذي جاء باليهود والصهاينة من شتات الأرض ليسكنهم فلسطين، مقولة نرددها ويرددها كل من عرف الحقيقة، ولديه بقية من ضمير، من لا يملك اعطى من لا يستحق.
قيام الكيان الاسرائيلي اضحى خنجرا مؤلما في الخاصرة العربية، كل قوى الشر والطغيان في الدنيا آزرت الجاني وتجاهلت حقوق الضحية، بل ضحايا الظلم والقهر، الذين تهجروا من ديارهم قسرا وظلما وعدوانا، أضحوا لاجئين في بقاع الأرض.
حينما كنا تلاميذ في المرحلة الابتدائية في ستينيات القرن الماضي، كانت وحدة الضفتين قائمة، كان المد القومي في اشدّه، الجماهير العربية بات شغلها الشاغل تحرير فلسطين، فقامت حرب حزيران في العام 1967، وللأسف هُزمت جيوشنا العربية هزيمة منكرة، فازداد الطين بلّة، وخسرنا القدس والضفة الغربية واجزاء من سورية ومصر.
في الحادي والعشرين من آذار العام 1968، ازداد الصلف الاسرائيلي، فحشدوا جيشا جرارا، يمتلك احدث انواع الاسلحة الفتاكة، وراحوا يعبرون النهر من عدة اتجاهات، ونصب اعينهم  تدمير الجيش العربي الأردني، الذي كان في تلك الفترة العصيبة، ما يزال يعيد ترتيب قطعاته وصفوفه، والتزود بالأسلحة حسب الامكانيات المتواضعة ، فكانت الاسود التي تربض على الجنبات، كما وصفها المغفور له الملك حسين، تزأر لمواجهة المد الأسود الذي اوهم نفسه انه قادر على احتلال الأغوار، والصعود الى الجبال لفرض امر واقع جديد.
قاد المعركة تلك المرحوم الفريق مشهور حديثة الجازي الذي ابلى وضباطه وجنوده البواسل بلاء حسنا في التصدي للعدوان موقعين فيه خسائر فادحة في الارواح والمعدات، لم يكن يتوقعها على الاطلاق.  قادة العدو طلبوا وقف اطلاق النار عدة مرات تحت ثقل الرد العربي العنيف. الملك حسين رحمه الله، رفض هذا الطلب بشدة، ما دام  صهيوني واحد شرق النهر.
في صباح اليوم التالي للمعركة، هرع عدد كبير من المواطنين الفرحين بالنصر، الى قرية الكرامة. حواجز من الجيش كانت تمنع المرور الى ارض المعارك، خشية ان يكون العدو قد زرعها بالالغام، او بما يسمى بمصائد المغفلين، وهي مواد متفجرة قاتلة، ليست على شكل قنابل، بل تشبه الالعاب والهدايا والاقلام، بمجرد لمسها تنفجر.
كاتب هذه السطور كان في ذلك الصباح المنتشي بالنصر من بين الذين هرعوا، سيرا على الاقدام،  بين الاودية والجبال والمزارع، حتى تمكنا بعد مشقة من الوصول الى ارض المعركة في الكرامة، وشاهدت بأم عيني معدات العدو وآلياته  المدمرة، وما يزال الدخان يتصاعد منها، ورأيت فيما رأيت جنديا صهيونيا، كان تفحم حرقا داخل دبابته، وقدمه مربوطة بجنزير معدني، كي لا يهرب على ما اعتقد.
معركة الكرامة اسم على مسمى، قدمت كوكبة اخرى من شهداء الأردن، شهد لهم العدو قبل الصديق على شجاعتهم النادرة، فاعادت جزءا كبيرا من الكرامة المفقودة في حرب حزيران، ليس للاردنيين فحسب، بل للعرب جميعا، وبقيت ذكراها متجذّرة في الذاكرة والوجدان، متطلعين الى معركة  فاصلة  كمثلها، تعيد لنا القدس وكافة ارضنا المحتلة.

التعليق