الأكاذيب لم تعد تستطيع أن تنقذ صورة جيش الاحتلال الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • الطفل الفلسطيني محمد التميمي الذي شوهت جمجمته رصاصة مطاطية أطلقها جنود الاحتلال - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

جوناثان كوك* - (كاونتربنتش) 6/3/2018

كان هذا أسبوعاً سيئاً جداً لأولئك الذين يزعمون أن لدى إسرائيل أكثر الجيوش أخلاقية في العالم. وفيما يلي مجرد عينة صغيرة عن حوادث إساءة معاملة الفلسطينيين في الأيام الأخيرة، والتي تم فيها ضبط الجيش الإسرائيلي وهو يكذب.
تم اعتقال طفل بعد أن أصابه الجنود الإسرائيليون بجراح مرعبة جداً، وتم ترويعه لحمله على توقيع اعتراف زائف بأنه أصيب بحادث دراجة هوائية. وثمة رجل، زُعِم بأنه مات نتيجة استنشاقه للغاز المسيل للدموع الذي تطلقه القوات الإسرائيلية، في حين أنه توفي في الحقيقة بسبب إطلاق الجنود النار عليه من مسافة قصيرة جداً، ثم انقض عليه حشد من الجنود الرعاع بالضرب الوحشي وتركوه ليموت. كما ألقى الجنود قنبلة غاز على فلسطيني وزوجته، وابنهما بالأحضان، بينما يحاولون الهروب بحثاً عن الأمان خلال غزو عسكري لقريتهم.
في وقت مبكر من القرن الحادي والعشرين، عند بزوغ فجر ثورة وسائل الإعلام الاجتماعية، اعتاد الإسرائيليون رفض الأدلة المصورة فيلمياً على وحشية جنودهم ووصفوها بأنها مزورة. ووصفوها بما أسموه "بليوود" -في نحت لمصطلح يدمج الفلسطيني بهوليوود.
ومع ذلك، كان الجيش الإسرائيلي، وليس الفلسطينيين، هو الذي احتاج إلى تصنيع نسخة أكثر توافقاً مع الحقيقة.
في الأسبوع الماضي، كما ظهر، اعترف مسؤولون إسرائيليون أمام محكمة عسكرية إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي اعتقل وضرب مجموعة من المراسلين الصحفيين الفلسطينيين كجزء من سياسة صريحة لوقف الصحفيين عن تغطية الانتهاكات المريعة التي يقترفها الجنود الإسرائيليون.
للخداع الذي تمارسه إسرائيل تاريخ طويل. فوراء في السبعينيات، كان شاب يدعى جوليانو مئير-خميس، والذي أصبح لاحقاً من أكثر الممثلين الإسرائيليين شهرة، قد كلف بمهمة حمل حقيبة أسلحة خلال العمليات في مخيم للاجئين في جنين في الضفة الغربية. وعندما تُقتل امرأة فلسطينية أو طفل، كان يضع سلاحاً بجوار الجثة.
وفي واحدة من الحوادث، عندما أطلق جنود يلهون بسلاح يطلق من الكتف، أطلقوا صاروخاً على حمار، والفتاة ذات الاثني عشر ربيعاً التي كانت تركبه، أُمر مئير خميس بوضع متفجرات على بقايا الحمار والفتاة.
حدث ذلك قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال في أواخر الثمانينيات. وفي ذلك الوقت، حث وزير الدفاع، يتسحق رابين -الذي منح لاحقاً تجميلاً على النمط الهوليودي كصانع للسلام- حث القوات الإسرائيلية على "تكسير عظام" الفلسطينيين لوقف نضالهم من أجل التحرر.
المسافات اليائسة والمطولة، والمدمرة للذات في بعض الأحيان، التي قطعتها إسرائيل في محاولة إنقاذ صورتها، تأكدت الأسبوع الماضي، عندما تم انتزاع الطفل محمد التميمي البالغ من العمر 15 عاماً من فراشه في غارة ليلية.
وكان الجنود قد أطلقوا النار عليه في الوجه وراء في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، خلال غزوهم لقريته، النبي صالح. وقد تمكن الأطباء من إنقاذ حياته، لكن الحادثة تركته برأس مشوه وجزء مفقود من الجمجمة.
وقد صنعت معاناة محمد عناوين الأخبار الرئيسية، لأنه كان لاعباً في دراما أوسع. فبعد وقت قصير من إطلاق النار عليه، وثق شريط فيديو ابنة عمه، عهد التميمي، بعمر 16 عاماً، وهي تصفع جندياً إسرائيلياً بعد أن دخل منزلها.
وكانت عهد، المعتقلة حالياً في انتظار المحاكمة، مسبقاً، أيقونة للمقاومة الفلسطينية. وأصبحت الآن مثالاً على تحويل إسرائيل الأطفال إلى ضحايا.
وهكذا، بدأت إسرائيل العمل من أجل إعادة صياغة السرد: بمحاولة تصوير عهد على أنها إرهابية ومستفِزة.
وظهر أن وزيراً في الحكومة، هو ميخائل أورين، ذهب حتى إلى تشكيل لجنة سرية لمحاولة إثبات أن عهد وعائلتها كانوا في الحقيقة ممثلين يتقاضون أجراً، وليسوا فلسطينيين، وموجودين لجعل "إسرائيل تبدو سيئة". ويبدو أن وهم "باليوود" يقطع مسافات جديدة.
في الأسبوع الماضي أخذت التطورات منحى جديداً عندما تم اعتقال محمد وآخرين من أقاربه، حتى مع أنه ما يزال مريضاً بشكل كبير. وتم سحبه إلى زنزانة تحقيق ومنع من الوصول إلى محام أو إلى والديه.
وبعد وقت قصير، قدمت إسرائيل اعترافاً موقعاً منه، يشير إلى أن جروح محمد المرعبة ليست من مسؤولية إسرائيل وإنما جروح نجمت عن اصطدام دراجة هوائية.
وهلل يواف مردخاي، المسؤول الرفيع في سلطات الاحتلال، لهذا الدليل على ما وصفه بأنه "ثقافة الكذب والتحريض" عند الفلسطينيين. وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية المطيعة إن جروح محمد هي "أخبار زائفة".
الآن، بعد تجريدها من التبرير لصفعها جندي الاحتلال، يمكن أن يقوم القضاة العسكريون الإسرائيليون بسجن عهد التميمي. سوى أن الشهود، وتسجيلات الهواتف النقالة ووثائق المستشفى، والتي تضم صور أشعة للدماغ، تثبت كلها أن محمد تعرض لإطلاق النار وأصيب بالرصاص.
كانت هذه ببساطة نسخة أخرى من الإنتاجات التي لا تنتهي لـ"إسرائيليوود"، التي تريد أن تلقي الذنب تلقائياً على الفلسطينيين. ويجب على الأطفال الفلسطينيين الذين يُعرضون على خط إنتاج السجون الإسرائيلية في كل عام أن يوقعوا اعترافات -أو صفقات التماس- من أجل الحصول على تخفيض لسنوات السجن من محاكم تبلغ معدلات الإدانة في أحكامها 100 %.
يبدو الأمر أقرب إلى رعب فرانز كافكا من هوليوود.
ثمة رواية أخرى للجيش تكشفت الأسبوع الماضي. فقد أظهرت كاميرات المراقبة ياسين السراديح، 35 عاماً، وهو يتعرض لإطلاق النار من مسافة قريبة خلال غزوه لأريحا، ثم يضربه الجنود بوحشية وهو ملقى على الأرض، ويُترك لينزف حتى الموت.
ولم تكن هذه حالة استثنائية. وقد ذكر تقرير لمنظمة العفو الدولية، الأسبوع الماضي، أن الكثيرين من الفلسطينيين الذين قتلوا في العام 2017 بدا أنهم ذهبوا ضحايا لعمليات إعدام خارج نطاق القانون.
وقبل أن تطفو قصة السراديح على السطح، أصدر الجيش الإسرائيلي سلسلة من البيانات الزائفة، بما في ذلك القول إنه توفي نتيجة لاستنشاقه الغاز المسيل للدموع، وإنه تلقى الإسعافات الأولية وإنه كان مسلحا بسكين. لكن أشرطة الفيديو دحضت كل ذلك.
على مدار العامين الماضيين، تعرض العشرات من الفلسطينيين، بمن فيهم نساء وأطفال، إلى إطلاق النار بظروف توجب الشبهة بالمقدار نفسه. ودائماً وبلا تغيير، يَخلُص الجيش إلى أنهم قتلوا وهم يهاجمون الجنود بسكين -حتى أن إسرائيل أطلقت على هذه الفترة اسم "انتفاضة السكين".
فهل يحمل الجنود الآن "كيس سكاكين" كما حمل مير خميس ذات مرة كيس أسلحة؟
نصف قرن من الاحتلال مر، والذي لم يفسد أجيالاً من الجنود الإسرائيليين المراهقين الذين سمح لهم بالتسيد على الفلسطينيين فحسب. وإنما احتاج الأمر أيضاً إلى إنشاء صناعة للكذب وخداع الذات، للتأكد من أن لا تشوب ضمير الإسرائيليين أي لحظة من الشك -بأن جيشهم ربما لا يكون أخلاقياً إلى هذا الحد بعد كل شيء.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Israeli Army Lies Can no Longer Salvage Its Image
*فاز بجائزة مارثا غليبورن الخاصة للصحافة. آخر كتبه هي: "إسرائيل وصدام الحضارات: العراق، إيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط"، و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني".

arahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق