لا مخرج لروسيا من سورية

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع مع نظيره السوري بشار الأسد في موسكو - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فلاديمير فرولوف* - (موسكو تايمز) 5/3/2018
في سورية، تكتشف روسيا أن كسب الحرب ربما يكون أسهل من كسب السلام. فكل مرة يعلن فيها الرئيس فلاديمير بوتين تحقيق النصر أو يعلن عن سحب القوات الروسية، كما فعل أخيراً في كانون الأول (ديسمبر)، يعود القتال في سورية إلى الاندلاع بكثافة جديدة، ويُطلب من موسكو إرسال طائراتها بالتعزيزات.
بعد أن أنقذت الرئيس السوري بشار الأسد من الإطاحة به على يد المتمردين الإسلاميين، واستهدافهم بسلسلة محسوبة بعناية من الضربات الجوية، أصبحت موسكو تناضل الآن من أجل توجيه مكاسبها العسكرية في سورية نحو تسوية سياسية تتمتع بالشرعية الدولية، والتي يمكن أن تساعد روسيا على استرداد قيمة استثماراتها في الصراع السوري. وفي الوقت الحالي، ما تزال سورية غير قابلة للحكم ومقسمة إلى إقطاعيات يديرها لاعبون إقليميون لكل منهم مصالحه الخاصة.
كانت خطة موسكو الأساسية هي تأمين موقف الأسد عن طريق إضعاف جماعات الثوار. لكنها استشرفت أيضاً فرض تسوية تنطوي على تقاسم حقيقي للسلطة بين النظام والمعارضة المسلحة، التي ستبقى مسيطرة بحكم الأمر الواقع على قدر يعتد به من البلد، طالما تعهدت بالولاء للدولة السورية.
كان ذلك ترتيباً ربما يشبه الشيشان، وكانت أهدافه متضمنة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، الذي طورته روسيا والولايات المتحدة معاً. ومن أجل تعجيل التسوية، أطلقت موسكو محادثات ثلاثية الأطراف في العاصمة الكازاخية، أستانة. وكانت تركيا وإيران ضامنتان لاتفاقيات خفض التصعيد والتهدئة بين النظام والمعارضة.
وكان قد تم الاتفاق أيضاً على منطقة خفض للتصعيد في منطقة الغوطة الشرقية في ضواحي دمشق، التي أصبحت الآن مسرحاً لقتال عنيف، والذي تم التفاوض عليه مباشرة بين الضباط الروس وقادة الثوار في محادثات سرية أجريت في مصر. كما عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي في كانون الثاني (يناير) الماضي من أجل الدفع قُدماً بالعملية الدستورية، في محاولة من موسكو لإطلاق مباحثات جنيف التي تديرها الأمم المتحدة، حيث وصلت الحوار بين النظام والمعارضة فعلياً إلى طريق مسدود.
لكن تلك الاستراتيجية لم تعد فعالة بعد الآن. وقد اعتمدت على قيام روسيا بلعب دور الوسيط النزيه بين النظام والمعارضة، والمستعد لفرض شروط الاتفاقات التي يتم التوصل إليها بعدالة وبلا تحيز.
لكن ذلك لم يحصل أبداً. فقد أصبحت مناطق خفض التصعيد الآن ميتة. وربما تكون الوحيدة التي ما تزال عاملة بينها هي تلك التي في جنوب غرب سورية، والتي كان قد تم التفاوض عليها بين روسيا والولايات المتحدة خارج عملية أستانة. والآن، يستخدم النظام السوري هذه المناطق  كوسيلة لنشر جيشه بشكل أكثر اقتصاداً من أجل تأمين انتصار عسكري كامل.
الآن، يرفض الأسد مناقشة أي شروط لتحقيق تسوية سياسية. وقد أخرج محادثات سوتشي على مسارها بإصراره على إجراء تعديلات رمزية فقط على الدستور السوري الحالي. وقامت دمشق بإسقاط المسودة التي اقترحتها روسيا لدستور سوري جديد، والتي كان من شأنها أن تنقل صلاحيات يعتد بها إلى السلطات المحلية.
مع روسيا، سعى الأسد بنجاح إلى تطبيق استراتيجية الإيقاع في الشّرك. وقد أفضت هذه الاستراتيجية إلى جرِّ موسكو أعمق في الحرب، وحرمت الكرملين من أي فرصة لانتزاع نفسه من مستنقع الصراع. وأجبر الأسد موسكو على دعم أهداف النظام المتمثلة في تحقيق انتصار عسكري كامل.
كما راهن الأسد بشكل صائب على أن روسيا لن تحاول الضغط على النظام بسحب مظلتها من الدعم الدولي، لأن من شأن ذلك أن يضعف بسرعة موقفه العسكري ويقوض مكاسب روسيا في الصراع، ويلحق الإهانة بالكرملين. ويعرف الأسد أن موسكو أصبحت عالقة معه ولا تستطيع تتحمل مؤونة تخفيض دعمها.
من المفارقات أن نجاح روسيا في ساحة المعركة قد أضعف نفوذها في دمشق بدل أن يقوّيه، وبطريقة أعاقت قدرة روسيا على إملاء شروطها للتسوية. ويعمل ذلك على تقوية موقف أولئك في مؤسسة الدفاع الروسية الذين يؤيدون هدف الأسد المتمثل في تحقيق نصر عسكري كامل، في الوقت الذي يضعف فيه موقف الذين يساورهم القلق من مغبة الإفراط في إطالة البقاء في سورية، حيث ثمة كارثة عسكرية أخرى موجودة دائماً خلف المنعطف.
حتى يتمكن من امتلاك التفوذ السياسي ووسائل الضغط، يحتاج الكرملين إلى تأسيس وجود على الأرض والاحتفاظ بالمناطق التي يسيطر عليها. لكن موسكو تستخدم القوة الجوية في الغالب، بينما تحتفظ عن قصد بموطئ قدم صغير على الأرض فقط، بهدف تقليل خسائر قواتها إلى الحد الأدنى.
وفي المقابل، ما يزال الطرف الذي يمتلك سيطرة على الأرض والكثير من النفوذ الاستثنائي على الأسد هو إيران، التي تسعى هي الأخرى إلى استخدام استراتيجية الشِّراك مع روسيا. وفي الوقت نفسه، تبدو الآمال في الولايات المتحدة وإسرائيل بأن تتمكن روسيا بشكل ما من احتواء نفوذ إيران في سورية غير واقعية.
لقد فوتت موسكو المخارج التي تهيأت لها للإفلات من سورية في السابق. كان بإمكانها أن تنآى بنفسها عن الأسد عندما استخدم غاز السارين ضد الثوار في إدلب في نيسان (إبريل) من العام 2017. لكن استخدام الأسلحة الكيميائية كان واحداً آخر من التكتيكات التي استخدمها الأسد لإيقاع روسيا في الشرك وإجبارها على البقاء عالقة مع نظامه حتى النهاية.
وجُلبت موسكو إلى الشرك أيضاً بتزويدها الأسد بحماية كاملة في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، على حساب تقويض الأعراف الدولية ضد استخدام الأسلحة الكيميائية.
والآن، مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرة أخرى باستخدام القوة ضد النظام السوري لوقف الفظاعات في الغوطة الشرقية، ومع سيطرة واشنطن بشكل أساسي على أجزاء واسعة من شرق سورية لإجبار الأسد على التفاوض مع المعارضة، تجد موسكو نفسها في موقف لا تحسد عليه.
سوف يكون عليها أن تقدم الدعم العسكري للنظام حيثما يتعرض للهجوم من القوى الخارجية، بما فيها إسرائيل، التي تدفع بالحدود هناك أيضاً. أو أن الكرملين سيحتاج أن يكون مستعداً للوقوف على الهامش ومشاهدة قوات الأسد وهي تتعرض للإبادة، كما فعل عندما دمرت الولايات المتحدة قوات النظام في دير الزور في أوائل شباط (فبراير)، عندما قُتل عدد من المرتزقة الروس أيضاً. وكلا الخيارين غير مستساغ.
كما يجب على موسكو أيضاً أن تكون مدركة لحقيقة أن واشنطن ربما تقرر الرد على الجهود الروسية لتقويض موقفها الجيوسياسي في كل أنحاء العالم. وفي حال فعلت ذلك، فإن موقف روسيا في سورية يمكن أن يزود الولايات المتحدة بفرصة مثالية لجعل تورط روسيا في الشرق الأوسط مسعى مكلفاً للغاية.

*محلل سياسي روسي وكاتب عمود.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: For Russia, There’s No Way Out of Syria

التعليق