التمويل والتنمية المحلية

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

خالد واصف الوزني

تمثَّل الهدف من إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عقب الحرب العالمية الثانية، في إخراج الدول من الأزمات المالية والهيكلية التي واجهتها بعد حرب طاحنة تجاوزت السنوات الخمس، وتركت آثاراً مدمرة على اقتصادات الدول خاصة في أوروبا، فجاء تأسيس صندوق النقد الدولي ليكون المساند والداعم المالي والفني للدول في مجال تحسين وتصويب أوضاع موازين المدفوعات، بما في ذلك أسعار الصرف والسياسات التجارية، وتصويب التشوهات في آليات التسعير المحلي والدولي سواء للعملات أو للسلع.
في حين جاء دور البنك الدولي ليسهم في عملية الإعمار وفقاً لخطة مارشل، التي أقرت لغايات إعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب.
وقد ترأست الولايات المتحدة البنك الدولي منذ إنشائه في نهاية العام 1945، في حين تقاسمت دول أوروبا رئاسة صندوق الدول منذ ذلك الحين أيضاً، وفق تقسيم غير مكتوب بين الجهتين.
المهم أن الصندوق الدولي عُرِفَ بتخصصه في البداية، بالقروض قصيرة الأجل التي تُعْطَى للحكومات بغية تصويب أوضاع ميزان المدفوعات والتشوهات المرتبطة بسعر الصرف، والبنك عُرِفَ بقروضه القطاعية التي توجه فقط لتطوير عمل وهيكلة القطاعات الاقتصادية، وخاصة في التعليم والصحة والزراعة والصناعة والبُنى التحتية، وغيرها.
وفي كلا الأمرين، فإنَّ البنك والصندوق هما جهتا إقراض دوليتان، تحصلان على أموالهما من قروض أو منح من جهات دولية، وتقومان بإعادة إقراضها بسعر يعد تفضيليّا، ولكنه أيضاً يغطي كلف الفوائد التي تدفعها المؤسستان للممولين والمانحين، ويغطي أيضاً مصاريفها الإدارية ويحقق عوائد بسيطة نسبيّا.
والمعروف أنّ الاقتراض من كلتا المؤسستين هو أرخص بكثير من التعامل مع القروض التجارية أو المؤسسات التجارية، كما أن الاقتراض منهما بمثابة الاقتراض من جهات رسمية، وما يعنيه ذلك من إمكانية التفاوض للحصول على شروط مناسبة في حالات إعادة جدولة أو إعادة هيكلة القروض.
وقد تطور عمل المؤسستين بشكل كبير منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وبشكل سمح بالتنسيق المشترك وسمح بوجود قروض تشاركية، كما سمح بزيادة فترات الإقراض وتخفيف بعض الشروط، مع التأكيد بالضرورة أنَّ هناك شروطاً أو متطلبات سياسية لا يمكن إغفالها بشكل كامل، بيد أنَّ التعامل مع المؤسستين يستدعي بالضرورة شروطاً، أو مشروطية "Conditionality" كما يشار إليها في الأدبيات الاقتصادية.
وهي شروط تطلب المؤسستان من الدول تقديمها لضمان إصلاح الأوضاع من جهة وضمان سداد التمويل من جهة أخرى، وعليه تُقدم الدول تعهدات ضمن مستندٍ يُسمَّى "خطاب النوايا" ويوقِّع عليه وزير المالية ومحافظ البنك المركزي، تُشير به الدول إلى التزامات محددة لتصويب الأوضاع، وتسديد المبالغ المستحقة للمؤسستين. الشاهد من هذا كله أنَّ الصندوق والبنك الدوليين ليسا مؤسستي دعم ورعاية اجتماعية، وكلتاهما ليستا جهتين مانحتين، وإنما هما مؤسستا تمويل تحصلان على أموال من دول ومؤسسات مالية لديها فائض وبسعر فائدة محددة، وتقومان بإعادة إقراض ذلك، وعليهما الاطمئنان إلى قدرة المُقترض؛ أي الدول المقترضة، على السداد وعلى الاستفادة الحقيقية مما حصل عليه من أموال.
بقي القول إن من يلجأ إلى المؤسستين عليه أن يضع خطة مالية تناسبه وتؤدي إلى سداد المستحقات، وهنا يأتي دور الدول ومسؤوليها في توفير المناخ الاقتصادي الذي يؤدي إلى ذلك، فمثلاً من المقبول تماماً أن تُزيل الدول التشوهات في دعم المشتقات النفطية، كما أنَّ من الضروري على الدول أن توجه دعم الخبز والمواد الغذائية إلى مستحقيه وفق آليات مناسبة، ولكن أيضاً يتحتم على الدول دراسة أثر فرض الضرائب على بعض السلع والخدمات وفق منهج اقتصادي يساعد على عدم المساس بالطبقات الفقيرة، ويحقِّق المطلوب منه، فالمؤسستان الدوليتان تتركان للدول تحديد الضرائب والرسوم التي ستفرضها، وقد تقدمان لها النصح في بعض القضايا، وتتركان للدول القرار النهائي، ولكن أصحاب القرار في الدول هم من يعلمون بشكل أفضل بشعاب اقتصادهم، وبما يجب وما يمكن تطبيقه بدون الإضرار بالاقتصاد أو الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل بشكل سلبي كبير.
وفي الختام فإنَّ من يتفاوض مع الصندوق والبنك الدوليين يحتاج إلى قدرة فنية ومعرفية ومهنية عالية، فكلتا المؤسستين لديها من الخبراء والمختصين مَن لا يسهل إقناعهم إلا بفريق اقتصادي اجتماعي متخصص. ومن هنا فإنَّ الدول التي تتفاوض معهما تحتاج دوماً إلى الفريق المناسب للتفاوض، وليس فقط المسؤولين أو الموظفين البيروقراطيين. فوسائل تسديد القروض متعددة، ولكن حساب أثر كل منهما قضية فنية تحتاج إلى المختصين، حتى لا نقع في معضلة تقديم برنامج يفرض الضرائب على المواد الزراعية مثلاً، ثم نكتشف الخطأ فيه. تقديم الشروط للمؤسسات الدولية يحتاج إلى فرق مختصة، والتفاوض معها يحتاج إلى قدرات وخبرات من داخل وخارج الحكومة، بهذا نجح العديد من الدول في الخروج من برامج المؤسستين بمكاسب، في حين تعثَّرت دول أخرى حتى بعد تطبيق برامج المؤسستين.

التعليق