معركة الكرامة... عنوان النصر والصبر وتجسيد لإرادة الجندي العربي

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

عمان - في يوبيلها الذهبي تتجسد كل القيم والمعاني السامية، الصبر والنصر والشهادة، خمسون عاماً مضت وذكراها تبعث فينا الأمل وتزيدنا عزاً وفخراً بمن وثبوا فضاق الغور عن وثباتهم، شهداؤنا وأبطال الكرامة الذين لبوا نداء الحق حين هتف لهم فزرعوا في أرضها نصراً ورفعوا رايات المجد عالياً، جباه سمر جادت وبذلت الروح وهتفت أن الجنان جزاء الشهداء.
أنعم بشهدائنا الذين قاتلوا فلقوا وجه ربهم كراماً، صرحهم يحدثنا عن معاني البطولة والتضحية والقوة والعزيمة التي لا تلين وإن الحق قوة لا يدانيها ولا يعلو عليها قوة، وأن المبدأ لا يمكن المساومة عليه.
ستبقى معركة الكرامة جزءاً من تاريخنا العسكري الذي نفتخر ونعتز به في ظل قائد المسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي نتعلم منه كيفية الدفاع عن دين وتاريخ ومجد أمتنا العربية والإسلامية، وستظل ذكرى الراحل العظيم صانع النصر بيوم الكرامة المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين في قلوب ووجدان الأردنيين الأحرار، وستبقى راياتنا خفاقة وهامتنا لا تنحني إلا لله عز وجل.
في 21 آذار "مارس" وقبل 50 عاماً، سطر أبطال جيشنا العربي بدمائهم الزكية أروع ملحمة بطولية، وسجلوا أول نصر تاريخي على الجيش الإسرائيلي المتغطرس، فحطموا أسطورته وغروره، ونقشت الكرامة الخالدة بطولة جنود الجيش العربي على صفحات التاريخ وعانقت أمجاد أجدادنا بحطين واليرموك وعين جالوت، وظلَّ الجيش العربي عبر تاريخه المجيد المثل للتضحية والبطولة، تفخر به الأمة وتتباهى.
هدفت إسرائيل من غزوها للأرض الأردنية إلى تحطيم القدرات العسكرية للقوات الأردنية وزعزعة الثقة بنفسها بعد حرب حزيران "يونيو" 1967 ، حيث بقيت ثابتة بحيويتها وتصميمها على الكفاح لإزالة آثار العدوان، وكانت القيادة الإسرائيلية تعتقد أن الجيش الأردني تشتت بعد حرب "حزيران"، فأخطأت التقدير لأن القيادة الأردنية عملت على إعادة التنظيم وبسرعة فائقة، واحتلت مواقع دفاعية جديدة على الضفة الشرقية لنهر الأردن لتبقى روح القتال والتصميم في أعلى درجاتها.
ومع أن إسرائيل أعلنت قيامها بالهجوم لتدمير قوة المقاومين العرب ببلدة الكرامة، إلا أن الهدف كان احتلال المرتفعات الشرقية (البلقاء)، والاقتراب من العاصمة عمان للضغط على القيادة الأردنية لقبول شروط الاستسلام التي تفرضها إسرائيل، والعمل على توسيع حدودها بضم أجزاء جديدة من الأردن إليه، والتشبث بها بقصد المساومة عليها نظراً لأهميتها الاستراتيجية ولزيادة العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، وضمان الأمن والهدوء على طول خط وقف إطلاق النار مع الأردن، وتوجيه ضربات مؤثرة وقوية للقوات الأردنية التي كانت توفر الحماية والدعم للمقاومين العرب، وزعزعة المعنوية لدى الأردنيين بالأغوار، من أجل نزوحهم ليشكلوا أعباء جديدة على الدولة، وحرمان المقاومة العربية من وجود قواعد لها بين السكان.
اسرائيل أيضا أرادت المحافظة على الروح المعنوية لجيشها وشعبها بسبب عدم التجانس بين الغالبية العظمى منهم في التركيبة السكانية التي جاءت على شكل هجرات صهيونية إلى أرض فلسطين، والتخوف من إحاطة العرب بهم.
لموقع "الكرامة" أهميةٌ من الناحية الدينية، فهي تمثل أرض الرباط بسبيل الله ضمن منطقة بلاد الشام،أما أهميتها الجغرافية والاستراتيجية، فانها تشكل نقطة المركز بقلب الوطن العربي، فهي أشبه ببوابة تعبر منها الجيوش الذاهبة لفلسطين، سواء القادمة من الشرق أم الغرب، الشمال أم الجنوب، وكانت مسرحاً لمعارك فاصلة بالتاريخ الإسلامي، وبوابة لانتصارات حققت للأمة هيبتها وكرامتها كمعركة حطين وعين جالوت.
ومنطقة غور الأردن منخفضة غنية بالمصادر الزراعية والمائية والأشجار، أما مصادرها المائية فتتمثل بنهر الأردن، بحيرة طبريا، البحر الميت وقناة الغور الشرقية، ويشكل الغور عصب الحياة الزراعية والاقتصادية بالنسبة للأردن، وتتميز المنطقة بصعوبة المواصلات ووعورة المسالك والارتفاعات ووجود الأشجار والمقاطع الصخرية المنحدرة، وهي استراتيجية حيث مكامن الأفراد ضد الآليات وإعاقة حركتها في حال أي تقدم من قوات العدو كما حدث بـ"الكرامة".
بدأت معركة الكرامة عند الـ5:30 من صباح 21 آذار "مارس" 1968، واستمرت 16 ساعة، ومن خلال مجرى الحوادث وتحليل العمليات القتالية، اتضح أن القوات المهاجمة بنت خطتها على ثلاثة مقتربات رئيسية ورابع تضليلي، لتشتيت جهد القوات المسلحة، وجميعها تؤدي حسب طبيعة الأرض والطرق المعبدة إلى مرتفعات السلط وعمان والكرك.
ونظراً لغرور الإسرائيليين، قام الحاكم العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية بدعوة رؤساء بلدياتها، ودعاهم لتناول الغداء معه في عمان والسلط، وما كان لهذا الهوس أن يقهر، لولا وقفة الجيش العربي بوجه القوات المهاجمة، وقتال رجاله بكل شجاعة.
كانت الغاية من إتساع جبهة المعركة وتعدد المقتربات، تشتيت الجهد الدفاعي لمواقع الجيش العربي وتضليلها عن الهجوم الرئيسي، وهذا يؤكد أن القوات المتواجدة بالمواقع الدفاعية أقامت دفاعها على سلسلة خطوط دفاعية بدءاً من النهر وحتى عمق المنطقة الدفاعية، الأمر الذي لن يجعل إختراقها سهلاً، لا سيما وأن المعركة جاءت بعد حرب 1967.
لعبت المدفعية والدروع وقناصو الدروع دوراً كبيراً بالمعركة، وعلى طول الجبهة وخاصة في السيطرة على جسور العبور، ما منع الجيش الإسرائيلي من دفع أية قوات جديدة لإسناد هجومه، نظراً لعدم قدرته على السيطرة على الجسور.
بدأ الجيش العربي قتاله بمعركة الكرامة منذ اندلاع شرارتها الأولى وتقدم القوات المهاجمة، يقول اللواء مشهور حديثة الجازي: «في الـ(0520) أبلغني الركن المناوب أن العدو يحاول اجتياز جسر الملك حسين، فأبلغته أن يصدر الأمر بفتح النار المدمرة على حشود العدو».
لذلك كسب الجيش العربي مفاجأة النار عند بدء الهجوم على القوات الإسرائيلية.
استطاعت القوات الأردنية حرمان القوات الإسرائيلية من حرية العبور حسب المقتربات المخصصة لها، ودليل ذلك أنها لم تتمكن من زج أية قوات جديدة شرقي النهر.
لجأت إسرائيل إلى طلب وقف إطلاق النار بالحادية عشرة والنصف من يوم المعركة، وهذا دليل على أن القوات التي واجهتهم كانت بحجم التحدي والمعركة بالنسبة لهم معركة وجود وحياة أو موت هذا على الصعيد العسكري، أما على الصعيد السياسي فقد أصر الأردن على لسان جلالة المغفور له الحسين على عدم وقف إطلاق النار طالما أن هناك جندياً إسرائيلياً واحداً شرقي النهر، وهذا يثبت، أن "الكرامة" كانت معركة الجيش العربي، حيث كانت قيادته العليا تديرها وتتابع مجرياتها لحظة بلحظة، وأن عدم قبول جلالة الملك قرار وقف إطلاق النار الذي طلبه الإسرائيليون بعد ست ساعات من بدء المعركة دليلٌ على امتلاك ناصية الأمر والسيطرة على المعركة والتحكم بمجرياتها.
وحينما رفض الأردن وقف إطلاق النار كانت قيادته العليا ترى النصر المؤزر قريباً، وكانت ترى بثاقب بصيرتها ما يخطط له الإسرائيليون، في محاولة منهم لوقف القتال دون الوصول إلى النتائج الحتمية التي أصبحوا يعلمونها ويرونها، من أن النصر أصبح دون أدنى شك في يد الجيش العربي، وعلى المدى الأبعد فإن بصيرة القيادة الثاقبة وحنكتها تؤكد منذ البداية أن موضوع السيادة كان محسوماً على الأرض الأردنية.
كانت الغاية من عملية الإنزال التي قامت بها القوات الإسرائيلية شرقي بلدة الكرامة، تخفيف الضغط على قواتها شرقي النهر، وتدمير بلدة الكرامة، وفي عمقها كانت عملية الإنزال محدودة، حيث كان قسم من الفدائيين يعملون فيها كقاعدة انطلاق للعمل الفدائي، وبالفعل قام الإسرائيليون بتدمير البلدة بعد أن اشتبكوا مع القوات الأردنية والفدائيين.
مع انتهاء أحداث المعركة كان العدو قد فشل تماماً دون أن يحقق أيّاً من الأهداف التي شرع بهذه العمليات من أجلها، وعاد يجر أذيال الخيبة والفشل، فتحطمت الأهداف المرجوة من وراء المعركة أمام صخرة الصمود الأردني، وفشل العدو بمخططاته التي عرفت من الوثائق التي كانت لدى القادة الإسرائيليين وتركت بساحة القتال، وهي احتلال المرتفعات الشرقية ودعوة الصحفيين لتناول طعام الغداء في عمان.
كما جسدت هذه المعركة أهمية الإرادة لدى الجندي العربي، والتي اسهمت بشكل فعال في حسم المعركة، كما أبرزت أهمية الإعداد المعنوي، فمعنويات الجيش العربي كانت مرتفعة حيث ترقبوا يوم الثأر وانتظروا ساعة الصفر بفارغ الصبر للرد على الظلم والاستبداد.
وأبرزت حسن التخطيط والتحضير والتنفيذ الجيد، مثلما أبرزت أهمية الاستخبارات، إذ لم ينجح العدو بتحقيق عنصر المفاجأة نظراً لقوة الاستخبارات العسكرية الأردنية التي كانت تراقب الموقف عن كثب وتبعث بالتقارير لذوي الاختصاص، حيث تمحص وتحلل النتائج فتنبأت بخبر العدوان من قبل إسرائيل ما أعطى فرصة للتجهيز والوقوف في وجهها.-(بترا)

التعليق