محمد أبو رمان

حدّثني صديقي..

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 01:09 صباحاً

أحد أبرز العناوين والشعارات التي رفعتها حكومة د. هاني الملقي، وكان ذلك بتوجيهات ملكية واضحة، هو موضوع الإصلاح الإداري، وتجفيف منابع الفساد، بخاصة الرشى والإكراميات والعمولات غير الشرعية، التي أصبحت مشكلة صاعدة في العديد من المؤسسات، بعدما كان الأردن مضرباً للمثل في نظافة القطاع العام لعقود سابقة.
ما نتحدّث عنه، هنا، ليس الفساد السياسي، الذي طغى على شعارات الحراك في الربيع العربي، بل ما هو – في ظنّي- أخطر منه، وهو الفساد الإداري المتوسط، أي المرتبط بالموظفين في العديد من الداوئر الرسمية، صغاراً أو كباراً، وهو أخطر لأنّه يسمّم الحياة اليومية، ويهشّم صورة الدولة لدى المواطن والمستثمر على السواء، ويكسّر أي مفهوم عن دولة القانون والشفافية والمساءلة، أو الدولة المدنية، ويقطع المجال أمام تحسين شروط بيئة الأعمال.
أصبح موضوع "مكافحة الفساد الإداري" على جدول أعمال الحكومة، بل أولوياتها، بعدما كان لفترة طويلة محل إنكار وتجاهل وعدم اعتراف من قبل المسؤولين، وتمّ التأكيد على أنّه يتصدر اهتمام الدولة، وأصبح هنالك إقرار ضمني بنمو الظواهر السلبية وضرورة معالجتها، وحُوّل عدد من الموظفين في وزارات ومؤسسات رسمية إلى القضاء بتهمة الفساد.
لكن هذا النشاط الحكومي والرسمي في مكافحة الفساد بدا وكأنّه "مشمشية" وشعارات من دون مضامين حقيقية وعميقة، مثل شعار "الاعتماد على الذات" الذي رفعته الحكومة فقط لتمرير "رفع الأسعار" من دون وجود تصوّر ناضج وعميق لمعناه ودلالاته وخارطة الطريق لترجمته على أرض الواقع.
بالتأكيد لا يمكن القول إنّ مكافحة مظاهر الفساد الإداري الجديدة نسبياً تتم بكبسة زر، وبفترة قصيرة، بل هي عملية معقّدة وتحتاج إلى قوة إرادة وصلابة لمواجهة "البيروقراطية العميقة" والمافيات التي تشكّلت في تلك الدوائر والمؤسسات خلال الأعوام الماضية، ولا بد من جهود مؤسسية وسياسية وإعلامية يقودها الرئيس، لكنّ ما تبدّى في الفترة الماضية أنّ هنالك استرخاءً وتراجعاً عن موضوع تجفيف الفساد وملاحقته وعن الرسالة الحاسمة المطلوبة.
على النقيض من ذلك، أصبح الموضوع – أي الرشى والعمولات- أكثر إلحاحاً، بعدما أخذ يبدو وكأنّه جزء من "السيستم" الإداري، وأمر طبيعي، وهذا أخطر ما في الأمر.  أحد الأصدقاء المستثمرين العراقيين كان يحدّثني عن تعطّل استثماراته في الأردن والمشكلات البيروقراطية التي يواجهها، فسألته: وهل اضطررت لدفع رشى أو طلب منك شخص ذلك؟ فضحك كثيراً مستغرباً من السؤال، وكأنّ هذه الظاهرة أصبحت هي الأمر الواقع!
لا يقتصر الأمر على صديقنا العراقي، فهنالك أصدقاء آخرون مشتبكون مع ملف الشركات والاستثمار، بصورة دائمة، يحدّثونك عن قصص مزعجة جداً، وهكذا يندر أن تجد جلسة فيها رجال أعمال ومستثمرون، وحتى مسؤولون، إلاّ وذهب جزء كبير من الحديث عن حجم ظاهرة الفساد والرشى، والمعاملات التي لا تتمّ إلاّ بهذه الطريقة.
الأمر أصبح مخجلاً حقّاً، وتتعرّق وأنت تسمع مثل هذه القصص والحكايات المزعجة، التي يبدو معها حديث الحكومة عن مواجهة الفساد مجرّد "نكتة" أو مزحة غير جديّة.
مرّة أخرى، نذكّر بهذا الملف الكبير والمهم، فلا نتوقع أن يكون هنالك جذب للاستثمار، من دون دولة القانون والشفافية والحاكمية الرشيدة، وشرط ذلك كله الإصلاح الإداري، ليس فقط على صعيد مواجهة البيروقراطية المعيقة، بل ما هو أهم من ذلك تسليط مبضع الجرّاح على مواطن الفساد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سؤال العدالة (بسمة الهندي)

    الأربعاء 21 آذار / مارس 2018.
    ألحقيقة الفساد الاداري المتوسط متجذر في بلدنا منذ زمن ولكن لم تكن الرشوة مالية وانما خدمة مقابل خدمة (يعني مقايضة) او نقوذ اجتماعي (داخل العشيرة). فكرة المقايضة معشعشة في بلدنا حتى في عالم السياسة بما في ذلك التصويت في البرلمان.
    والقصة ايضا مرتبطة بالأشخاص التي يتلقون معاملة خاصة في المؤسسات الرسمية، بمعنى ما بيستنى بطابور؛ يعني على طريقة VIP.
    الذين درسوا في جامعة هارفرد يعرفون أستاذ الفلسفة السياسية Michael Sandel ومساق "العدالة" Justice والذي يتسابق الطلاب على التسجيل به؛ نحن بأمس الحاجة إلى تعليم العدالة وفتح حوار حولها في بلدنا إن كنا نريد فعلا أن نحارب الفساد بكل أشكاله.
    تخيل أستاذ محمد، نحن نتحدث عن سيادة القانون، وقبل أيام قرأت خبر في الغد يقول "68% من المتقاضين جزائيا يعجزون عن توكيل محام"، فعن أي سيادة قانون وعدالة نتحدث !
    السؤال الملح في بلدنا اليوم هو "العدالة"من الضرائب إلى توكيل محام.