صفقة روسية-لبنانية.. ما الذي تراه القوة الناهضة في جار سورية الصغير؟

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • جنود من الجيش اللبناني أثناء دورية في منطقة كوكبة – (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

نيكولاس بلانفورد - (كرستيان سينس مونيتور) 15/3/2018

بيروت، لبنان- للوهلة الأولى، قد يبدو من غير الواضح لماذا تعمد روسيا، القوة العالمية المنبعثة مجدداً، والمنتعشة بالنجاح بعد استعادة موطئ قدمها الإقليمي في سورية، إلى إبداء الكثير من الاهتمام بلبنان.
في الوقت الحالي، يتصارع البلد الصغير الواقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، الذي كان ذات مرة تابعاً لجارته السورية الأكثر قوة، والتابع السابق للسوفيات، مع قائمة طويلة من المشاكل الاقتصادية.
ولدى البلد أيضاً نظام سياسي طائفي متشابك والذي عادة ما يخنق التقدم؛ وهو يستضيف نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، فيما يشكل أعلى نسبة من اللاجئين للفرد في العالم؛ وهو يعاني من اقتصاد راكد؛ وهو مثقل بالديون المعيقة. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو لبنان واقفاً دائماً على حافة ما قد تكون حرباً كارثية محتملة بين إسرائيل ومنظمة حزب الله المدعومة من إيران، والقوة السياسية المهيمنة في البلد.
ولكن، بينما تعرض الولايات المتحدة وروسيا مؤشرات متزايدة على التراجع في سورية، حيث تدخل الحرب الأهلية المستمرة منذ سبع سنوات مرحلة متعددة الأطراف أكثر تعقيداً، يبدو أن موسكو، الداعم الرئيسي للرئيس السوري بشار الأسد، تفكر بأنها تستطيع توسيع نفوذها في مواجهة واشنطن عن طريق زيادة نفوذها في لبنان.
فيما يجري وصفه هناك بأنه تحول سياسي في سياسة موسكو تجاه لبنان، تعرض روسيا تقديم حزمة أسلحة بقيمة مليار دولار، ويقال إنها تسعى إلى إبرام اتفاق تعاون عسكري مع البلد الصغير. ويمكن أن تهدد هذه الخطوة بتقويض برنامج قائم حالياً للمساعدات العسكرية الأميركية، والذي شهد تسليم ما بلغت قيمته أكثر من 1.6 مليار دولار من الأسلحة والتدريب والمعدات إلى الجيش اللبناني منذ العام 2006.
حسب ما يقوله المحللون، فإنه بالاعتماد على الطريقة التي سيستجيب بها البلد للعرض، يمكن أن تخضعه هذه الخطوة لعقوبات أميركية، بل وحتى معاملته كدولة مارقة من جهة الدول الغربية والعربية الخليجية التي كانت قد زودته بالدعم.
من المقرر أن تجتمع الدول المانحة الدولية في روما هذه الأيام، في تظاهرة لدعم الجيش والشرطة اللبنانيين. وكان لبنان وروسيا يناقشان مسألة إبرام صفقات أسلحة محتملة منذ العام 2009، لكن موسكو لم تظهر أي استعداد لدعم تقديم حزمة كبيرة من الأسلحة إلا في الفترة الأخيرة. وربما تكون للخط الائتماني الذي تبلغ قيمته مليار دولار، والذي يتضمن فترة سداد مدتها 15 عاماً بفائدة صفر بالمائة، صلة أقل ببيع أسلحة روسية للبنان من صلته ببناء وزيادة نفوذ موسكو في البلد الصغير، بالنظر إلى تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة في سورية، كما يقول محللون وسياسيون لبنانيون.
يقول عضو في البرلمان اللبناني على دراية بالصفقة: "يؤشر هذا العرض على تحول في سياسة الروس تجاه لبنان. عند نقطة معينة، لم يكن لدى روسيا أي اهتمام بتمويل صفقة أسلحة. ولكن، كلما ازداد الخلاف مع الأميركيين في سورية، أظهر الروس اهتماماً أكبر هنا. وقد جعل ذلك الراعيين (البريطاني والأميركي) للجيش اللبناني عصبيين".
ما الذي يخاطر به لبنان
أرسلت الولايات المتحدة وبريطانيا، التي تدعم الجيش اللبناني أيضاً، إشارات إلى الحكومة اللبنانية بأن برنامج المساعدة العسكرية يمكن أن يتعرض للخطر إذا قبلت بيروت العرض الروسي، وفقاً للعديد من السياسيين اللبنانيين والمحللين والدبلوماسيين الأجانب في بيروت.
وبالإضافة إلى ذلك، يحذر محللون من أن لبنان يمكن أن يواجه عقوبات أميركية إذا ما تعامل مع شركات الأسلحة الروسية الموضوعة على القوائم السوداء بموجب "قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات"، الذي تم تبنيه في الصيف الماضي ويستهدف كلاً من روسيا وكوريا الشمالية وإيران.
يقول آرام نيرغوزيان، المدير التنفيذي لمركز الاستشارات الاستراتيجية "مجموعة مورتونز" في واشنطن: "فرض العقوبات بموجب قانون مكافحة الخصوم الأميركي يعرض احتمال جعل لبنان دولة منبوذة إقليمياً، وبتداعيات غير مؤكدة بعيدة المدى على استقرار البلد. وفي نهاية المطاف، يحتاج لبنان إلى فهم أنه في حين قد تبدو إدارة ترامب وكأنها تسعى إلى طرق جديدة لإشراك روسيا في مجالات الاهتمام المشترك، فإن انخراط دول مثل لبنان مع روسيا يستمر في أن يُعامل بعدائية جديدة من جهة السلطتين، التنفيذية والتشريعية، في الحكومة الأميركية".
وفي المقابل، تنكر مصادر مقربة من الحكومة اللبنانية أنها تلقت أي تحذيرات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بهذا الخصوص، وتشير إلى أن العرض الروسي لَم يُقبل بعد. وفي مثل هذه الحالة، كما يقول أحد المصادر، تطلب الحكومة اللبنانية من الجيش تقييم ما إذا كان العرضُ يناسب متطلباته وقدراته.
ويضيف المصدر، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: "لم تتم الإجابة عن هذا السؤال بعد. وفي كل الحالات، لن تقوم الحكومة والجيش اللبنانيين بتعريض علاقات استراتيجية قائمة للخطر. إنهما ناضجان بما يكفي وليسا في حاجة إلى تحذيرات".
مع ذلك، كانت الحكومة اللبنانية حريصة على السعي إلى إقامة علاقات أوثق مع روسيا، ربما إدراكاً منها لنفوذ روسيا المتزايد في جوار لبنان المباشر. وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، قام رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بزيارة إلى موسكو؛ حيث سعى إلى إقامة تعاون ثنائي اقتصادي وعسكري، وناقش مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسألة "المساعدة العسكرية الروسية وطرق تطوير هذه العلاقة".
وذكرت وسائل الإعلام الروسية الشهر الماضي أن موسكو تريد البدء في مفاوضات حول اتفاق للتعاون العسكري مع لبنان. وقالت التقارير أن الاتفاق المتوقع سوف يسمح لروسيا باستخدام الموانئ والمطارات اللبنانية، كما سيتيح لروسيا تدريب الجيش اللبناني وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة معه.
كما أن الشركات الروسية تسعى أيضاً إلى الحصول على حقوق التنقيب عن النفط والغاز في المياه الساحلية اللبنانية، ويتطلع البلدان إلى تعزيز التبادل الثقافي بينهما –ولدى روسيا خطط لافتتاح مدرسة لتعليم اللغة الروسية في وادي البقاع اللبناني.
المنافسة في سورية
لكن العديد من الدبلوماسيين والمحللين يقولون إن الحافز الرئيسي لاهتمام روسيا الجديد بلبنان يتصل بالمنافسة مع الولايات المتحدة على سورية والشرق الأوسط بشكل أعم.
ويقول دبلوماسي أوروبي في بيروت: "تنظر روسيا إلى لبنان كساحة أخرى حيث يمكنها أن تمحو النفوذ الأميركي. وآخر نفوذ محسوس حقاً للولايات المتحدة في لبنان هو العلاقة مع الجيش اللبناني. إنها تمنح واشنطن مقعداً على الطاولة".
في آب (أغسطس) الماضي، تمكن الجيش اللبناني من هزيمة بضع مئات من مقاتلي "داعش" وطردهم من معقلهم الجبلي في شمال شرق لبنان. وقد أظهرت الحملة القصيرة والحاسمة نوع التحسينات التي حدثت في قدرات الجيش اللبناني على مدى العقد الماضي، والتي تعود في جزء كبير منها إلى برامج الدعم الأميركية والبريطانية. ومع ذلك، أثيرت الأسئلة منذ ذلك الحين في واشنطن حول مستقبل البرنامج. ويقول المنتقدون أن الولايات المتحدة تُهدر نقود دافعي الضرائب بتمويلها الجيش اللبناني الذي يتهمونه بالتواطؤ مع حزب الله، الذي تصنفه واشنطن كمنظمة إرهابية".
وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، قال إليوت أبرامز، الزميل الرفيع في مجلس العلاقات الخارجية، للكونغرس الأميركي: "إذا كنا قد حاولنا أن نجعل (الجيش اللبناني) قوة موازِنة لحزب الله، فإننا فشلنا".
ومن ناحية أخرى، إذا تخلت الولايات المتحدة عن برنامجها لدعم الجيش، فإنها ستخفض إلى حد كبير نفوذ واشنطن في لبنان، وستسمح للاعبين آخرين مثل روسيا وإيران (التي عرضت هي الأخرى تزويد الجيش اللبناني) بملء الفراغ، كما يقول محللون.
ثِقل موازِن لحزب الله
بالنسبة للبعض في لبنان، يمكن أن تشكل زيادة النفوذ الروسي هنا ثِقلاً موازِناً مرحَباً به للقوة التي يمارسها حزب الله -وبشكل غير مباشر راعيته، إيران.
وإيران وروسيا حليفتان في ميدان معركة في سورية؛ حيث أرسلت القوات البرية للأولى والقوات الجوية للثانية الثوار المناهضين للأسد إلى شفا الهزيمة. لكن مصالح كلا البلدين يمكن أن تشرع في الافتراق بينما يخفُت الصراع ويتجه إلى نهاية. وتكمن مصلحة روسيا في توسيع نفوذها في الشرق الأوسط على حساب الولايات المتحدة، والسعي إلى الحصول على فرص اقتصادية للشركات الروسية، في حين أن هدف إيران الرئيسي في سورية هو تقوية وتوسيع تحالفها المناهض لإسرائيل. ويمكن أن تكون هاتان الأجندتان غير متوافقتين على المدى الأطول.
في حال وجدت روسيا وإيران نفسيهما على طرفي نقيض حول الوجهة المستقبلية لسورية، فإن طهران وحليفها اللبناني، حزب الله، قد لا يرحبان بزيادة في نفوذ موسكو في لبنان.
ولهذا السبب بالذات، ربما يسعى خصوم حزب الله السياسيون في لبنان إلى تشجيع توسيع العلاقات مع روسيا، حتى مع المخاطرة بإغضاب الولايات المتحدة، من أجل جعل الحياة أكثر تعقيداً على حزب الله.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Russia-Lebanon deal? What the resurgent power sees in Syria's tiny neighbor

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق