ماجد توبة

مطلوب مُحرَم لزيارة طبيب!

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 01:05 صباحاً

كل الجدل واختلاف الآراء والتأييد والرفض لما ورد في مشروع قانون المسؤولية الطبية يمكن تفهمه ووضعه بسياقه العام والطبيعي، فالقانون المرتقب الذي شرع مجلس النواب في مناقشته وإقراره أول من أمس، هو قانون مهم وحساس، ويُشرّع لمصالح وقضايا أطراف مختلفة، ومن الطبيعي أن تختلف المصالح حوله وبالتالي المواقف تجاهه، تحديدا بين مقدمي الخدمة الطبية (مستشفيات وأطباء وعاملين صحيين وشركات تامين) وبين متلقي الخدمة من مرضى وممثليهم.
إلّا أن ما لا يمكن فهمه أو استيعابه هو إقحام مادة في هذا القانون، "تحظر على مقدم الخدمة (الطبيب) الكشف السريري على متلقي الخدمة (المريض) من غير جنس مقدم الخدمة دون حضور طرف ثالث إلا في الحالات الطارئة"، أي أن القانون يشرّع لضرورة وجود نوع من "المُحرَم" مع المريض الذكر إن كشفت عليه طبيبة أو مع المريضة إن كشف عليها طبيب ذكر!
لقد انتهت كل مشاكل الأردن وهمومه ولم يتبقَّ إلّا "صون" المريضة او المريض عند الطبيب، عبر وضع تشريع قانوني يمنع من التحرش بالمريضة أو المريض! بالاستعانة بما يسمى "المُحرم"! أيُّ عقلية سوية يمكن أن تضيف مثل هذا النص لمشروع قانون المسؤولية الطبية؟! وكأني بصاحبها لا يفكر إلا بالجنس والخلوات والشهوات، حتى في مثل هذا المجال والسياق الطبي الإنساني.
عند قراءة هذا النص الغريب والمستهجن بمشروع القانون، والذي لم يتوقف عنده النواب وللأسف خلال مناقشته وإقراره بالجلسة الأولى، تبادر للذهن أن اللجنة الصحية في مجلس النواب هي من أقحمت مثل هذا النص، فربما ضمّت اللجنة بعض النواب المحافظين أو ممن يحملون فكرا أصوليا منبتا عن الواقع، لكن المفاجأة كانت في معرفة أن هذا النص جاء في مشروع الحكومة ذاتها، أي أنه خضع لنقاش وإقرار مجلس الوزراء وقبلها ديوان التشريع ومسؤولي وزارة الصحة.
إذا؛ يبدو أن الحكومة الرشيدة أو من مرّر هذا النص الصادم يؤمن بأنه يجب أن تكون مستشفياتنا وعيادات اطبائنا مماثلة للتجربة النيّرة في دولة طالبان ودويلات أمراء الحرب من إرهابيين وأصوليين في سورية وليبيا، يمنع فيها الاختلاط وينظر فيها للمرأة كأداة للجنس والشهوة، والتي يجب ان تحاصر وتراقب ويحجر على حركتها، وأن تُفصّل لها القوانين والقرارات والسياسات المتحجرة!!
بصراحة؛ لم يبق للحكومة والنواب عذرٌ بعد إقرار نص "المُحرَم" أمام الطبيب! عليهم "من اليوم وطالع" تعديل سلسلة تشريعات وقوانين وأنظمة يبدو أنها كانت خاطئة حيث منحت المرأة حرية واسعة ولم تراع منع الاختلاط، ولم تتحوّطْ للخلوات المحتملة التي يمكن ان تكون فيها المرأة أو حتى الرجل!! ويخطر بالبال سريعا؛ ضرورة منع ركوب السيدات دون محرم في التكسيات العامة! ومنعهن من دخول البقالات والمحال التي يعمل فيها الرجال فقط أو العكس!
هل اكتشف واضع مثل هذا النص القانوني اليوم أن لدينا مشكلة خطيرة يعانيها المرضى والمريضات مع الأطباء والطبيبات، وتتعلق بقضايا التحرش؟! أم هو سياق عام بتنا نرزح تحت نيره، يتم فيه الإمعان أكثر في اقصاء العقل والعلم، وتسود فيه الخرافة والتحجر والانغلاق باسم المحافظة والعودة للأصول؟!
إلى أين يحاول البعض جرّنا كمجتمع ما يزال لديه بعض الانفتاح والرغبة في التقدم؟! سؤال كبير بات يصفع وجوهنا كل يوم.. ولن تكون صفعة نص "المُحرَم" بقانون المسؤولية الطبية أولها ولا آخرها!!

التعليق