النمو الاقتصادي والعدالة الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

بقلم: الدكتور جهاد أزعور*

واشنطن- يمثل تصاعد التوترات والاحتجاجات الاجتماعية في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إشارةً واضحة لعدم تحقق تطلعات شعوب المنطقة -للفرصة والرخاء والعدالة- حتى الآن. ورغم أن هذا الشعور بالإحباط أمر مفهوم، وبسبب هذا الإحباط بالذات، يكون من الخطأ التراجع عن العملية الجارية للإصلاح الاقتصادي.
والواقع أن الإصلاحات هي مفتاح معالجة المشكلات الجوهرية التي تثقل كاهل الكثير من بلدان المنطقة منذ وقت طويل -والتي تتمثل بمعدلات النمو المنخفض والبطالة المرتفعة والفساد المستشري، لكن على الحكومات، وهي بصدد تنفيذ الإصلاحات، أن تتأكد من أنها متوازنة اجتماعياً وتسير في تسلسل ملائم؛ والأهم من ذلك كله أن تسهم هذه الإصلاحات في تأمين حياة أفضل ينشدها الجميع، وخاصة الفقراء منهم ومحدودي الدخل.
وهذا هو التحدي الأهم الذي يواجه المنطقة اليوم، وهو تحدٍ يسعى الصندوق إلى مساعدة بلداننا الأعضاء على مواجهته.
السياق الواسع
لقد ظلت بلدان كثيرة ترزح لعقود عدة تحت وطأة النموذج القائم على رعاية الدولة والذي يؤمن فيه القطاع العام وظيفة من كل خمس وظائف. ولم يقتصر الأمر على فشل هذا النموذج في تحسين جودة الخدمات العامة كالصحة والتعليم فحسب، بل أسفر عن تقلص حاد في قدرة الحكومات على تمويل البرامج الاجتماعية الموجهة لمحدودي الدخل والاستثمارات الضرورية في البنية التحتية بالمقارنة مع الاقتصاد العالمي الديناميكي الذي يؤدي فيه القطاع الخاص دورا متزايدا في توليد النمو وفرص العمل، قد أضحى عبئا أكبر مما يمكن تحمله، وأصبح عاجزا عن خلق الوظائف والفرص التي يحتاجها المواطن.
وفي السنوات الأخيرة، تفاقم الوضع بسبب سلسلة من الصدمات كالصراعات الدائرة والهجمات الإرهابية، بالإضافة الى هبوط أسعار السلع الأولية، وانخفاض النمو لدى الشركاء التجاريين الأساسيين. وزاد تراجع الأداء الاقتصادي في المنطقة بسبب تدني الإنتاجية المزمنة واستشراء الفساد، وأدى هذا في كثير من البلدان إلى حالة من العسر المالي الشديد الذي يفرض المفاضلة بين خيارات بالغة الصعوبة.
هذا إذاً هو السياق الاقتصادي العام الذي يشكل إطارا لتحديات اليوم. وتتطلب المعالجة تحقيق تقدم على مسارات عدة.
والأهداف الأساسية ما تزال واضحة: خلق وظائف (وخاصة في القطاع الخاص)، وتحسين مستويات المعيشة، وتشجيع النمو المستدام. ولكن المنطقة لن تستطيع تحقيق هذه الأهداف إلا إذا حافظت على ترتيب بيتها الاقتصادي من الداخل. ويعني هذا السيطرة على الدين والتضخم لتشجيع الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
ويقودنا هذا من جديد إلى أهمية الإصلاحات -إذا كانت جيدة التصميم، وملائمة التوقيت، ومطبقة بالتساوي على كل شرائح المجتمع.
أولويات الإصلاح
وتشمل أولويات الإصلاح ما يلي: الحد من الفساد، وتشجيع المنافسة العادلة من خلال التجارة والتنظيم الأفضل، وتحسين فرص الحصول على تمويل للشركات الصغيرة والناشئة، والاستثمار في المهارات -وخاصة مهارات الشباب- لمواكبة احتياجات الاقتصاد الجديد عن طريق تحديث التعليم والتدريب ومساعدتهم على العثور على وظائف. وكذلك ضمان الفرص للجميع عن طريق الإنفاق المتكافئ والداعم للنمو، بالإضافة الى تطوير النظام الضريبي العادل. مع تعزيز حقوق المرأة القانونية، وكذلك تلبية احتياجات اللاجئين للغذاء والمسكن والتعليم والعمل.
وليس من السهل تحقيق أي من هذه الأمور. وربما تكون المسألة الخلافية في هذا الصدد هي كيفية تحصيل الدولة للضرائب وإنفاقها للإيرادات.
ولا يوجد خيار أمام كثير من البلدان سوى تحقيق موازنات متوازنة؛ فلا يمكن الاستمرار في مراكمة الدين العام لتمويل نفقات غالبا ما تكون غير منتجة. وقد جاءت خدمة هذه الديون على حساب الإنفاق الحيوي على الصحة والتعليم، مما يعني أن عبء الدين سيقع على الأجيال المقبلة.
إن عدم المسؤولية المالية ليس فقط منافيا للحكمة، إنما يفتقر إلى العدالة أيضا. والتحدي الذي يتعين مواجهته في هذا الخصوص هو القيام بالتصحيح الضروري على نحو متوازن وبوتيرة ملائمة وبطريقة تتناسب مع ظروف كل بلد. وهذا ما يستطيع الصندوق المساعدة في تحقيقه.
تصميم الإصلاحات وفقا لظروف كل بلد
ففي البلدان التي تمتلك فيها الحكومة احتياطيات وقائية كبيرة، كما هو الحال في دول الخليج والجزائر على سبيل المثال، حث الصندوق على تخفيض العجز بطريقة تدريجية.
أما في البلدان التي بلغ فيها الدين العام مستوى مرتفعا ومتصاعدا مثل مصر وتونس، فقد قدم الصندوق التمويل لتتمكن هذه البلدان من إجراء الإصلاح المالي المطلوب بصورة أكثر تدرجا مقارنة بما يقتضيه الحال في غياب هذا التمويل وبسعر فائدة أقل مما يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى. وينبغي في هذا السياق أن يتيح الدائنون الخارجيون الآخرون متنفسا أكبر لهذه البلدان من خلال التمويل بشروط مواتية، ويفضل أن يكون من خلال منح.
ونحن نسعى أيضا إلى مراعاة الظروف الاجتماعية/السياسية -كما حدث مع تونس حيث قمنا بتخفيض هدف المالية العامة، رغم تكلفة ذلك من حيث الدين والتضخم.
ولا شك أن معالجة مسألة الاستدامة المالية لا تقتصر على تخفيض عجز الموازنة، بل ترتبط أيضا بخيارات الحكومة لتحقيق هذا الهدف. ويعد إصلاح النظام الضريبي آلية بالغة الأهمية -سواء لجهة زيادة الإيرادات (بما في ذلك الإيرادات المطلوبة لتمويل النفقات الاجتماعية) أو لضمان توزيع العبء المالي توزيعا عادلا على مختلف شرائح السكان.
وقد شكل هذا الأمر معضلة بالنسبة لكثير من بلدان المنطقة، وهو ما يرجع جزئيا إلى مستويات الإيرادات المحلية شديدة الانخفاض -حوالي 10 % من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط- والاقتصار في تحصيلها على قلة من مسددي الضرائب. ففي الأردن، على سبيل المثال، تشكل الأسر التي تدفع أي نوع من ضرائب الدخل على الأفراد 5 % فقط من مجموع الأسر. ومن المفهوم أن الناس لا يرغبون في دفع المزيد إذا رأت في النظام محاباة للأثرياء.
ومن ثم ينبغي بذل مزيد من الجهود لمكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وجعل النظام الضريبي أكثر تصاعدية. وغالبا ما تتضمن المشورة التي يقدمها الصندوق بشأن السياسات توصيات لتحقيق هذه الأهداف.
ويحرص الصندوق في البرامج التي يدعمها على توجيه اهتمام متزايد لحماية الشرائح الأقل دخلا من أثر الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق. ففي تونس، على سبيل المثال، توسعت الحكومة في برنامج التحويلات النقدية لأصحاب الدخول المنخفضة، فضاعفت عدد الأسر المستفيدة وزادت متوسط التحويلات بمقدار ثلاثة أضعاف، كما تجري مراقبة الإنفاق الاجتماعي الكلي من خلال حد أدنى للإنفاق في البرنامج الذي يدعمه الصندوق. وفي مختلف أنحاء المنطقة، دعا الصندوق لتخفيض دعم الطاقة المكلف.
لماذا؟ لأن هذا الدعم يعود بالنفع على أثرياء المجتمع في الأساس. وقد حث الصندوق بقوة في الوقت نفسه على تجنب تخفيض الدعم الغذائي، كدعم الخبز في الأردن وتونس مثلاً.
ومرة أخرى، حتى تكون برامج الإصلاح فعالة، ينبغي أن تُصمَّم بما يتلاءم مع ظروف كل بلد وأن تتبناها الحكومة بشكل كامل. ومن العوامل الأساسية في هذا الصدد أن يتم التشاور مع أهم الأطراف المعنية -بما فيها المجتمع المدني- وهي سمة أصبح الصندوق يحرص على وجودها في البرامج التي يدعمها حول العالم.
طريق المستقبل
وما تزال المنطقة تواجه تحديات جسيمة، ولكن البلدان حققت تقدما في التصدي لها منذ الربيع العربي. فقد حافظت المنطقة على استقرارها الاقتصادي بوجه عام رغم الظروف بالغة الصعوبة؛ ومن ثم بدأ النمو يتحسن والتضخم يستقر، كما بدأ تراكم الدين العام يتراجع في معظم البلدان.
ولعل الأكثر مدعاة للتفاؤل هو ما يبديه سكان المنطقة الشباب والموهوبين من رغبة واضحة في تحسين مستقبلهم بأيديهم. ومع إتاحة فرص التعليم والتوظيف الملائمة، يمكن لهذا الجيل الجديد أن يحقق نموا اقتصاديا غير مسبوق. ومن المشجع أيضا أن عددا متزايدا من صناع السياسات في مختلف أنحاء المنطقة يضعون النمو والوظائف في صدارة جدول الأعمال المعني بالسياسات.
وهذه هي الخلفية التي يقام عليها مؤتمر إقليمي ينظمه الصندوق -بالاشتراك مع صندوق النقد العربي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وحكومة المملكة المغربية- في مدينة مراكش أواخر هذا الشهر. وفي هذا المؤتمر سنناقش مع صناع السياسات والقطاع الخاص والمجتمع المدني كيفية القيام بالمزيد لتفعيل جدول أعمال يستهدف النمو الاحتوائي.
إنها مهمة عاجلة. بل إن فترة الصعود الاقتصادي العالمي الذي يشمل نطاقا واسعا من البلدان في الوقت الراهن تتيح -للمنطقة وغيرها من أنحاء العالم- فرصة تحقيق تقدم في الإصلاحات التي تأخرت لوقت طويل. فالتراجع عن الإصلاحات أو حتى تأخيرها هو الخيار الخاطئ الذي ما يزال يضر بالأجيال المقبلة. ومن ثم ينبغي أن نكفل استمرار الإصلاحات والمساواة في تطبيقها على الجميع مع مراعاة انعكاساتها الاجتماعية، وتنفيذها على مراحل متدرجة في حدود الموارد المتاحة وحسب الظروف الاقتصادية السائدة.
إن شعوب المنطقة تطالب عن حق بالنمو والعدالة الاقتصاديين، وهو جهد يهدف الصندوق لمساعدة البلدان على إنجازه. 

*مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي؛ حيث يشرف على عمل الصندوق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى والقوقاز.

التعليق