الخطاب للداخل أيضاً

تم نشره في الاثنين 26 آذار / مارس 2018. 01:07 صباحاً

في خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني، في برنامج لاهاي الدولي في 20/3/2018، وفي سائر خطاباته وأوراقه النقاشية، يكرر جلالته ويؤكد قناعاته الفكرية والسياسية في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي ثبات الأردن في مواجهة التطرف والإرهاب. وها هو يخاطب الطلبة في لاهاي:
"إن الإنسانية تزخر بالتنوع، فهناك أديان ومجتمعات وثقافات مختلفة، لكننا نرى كل يوم عبر وسائل الإعلام دعوات ضد هذا التنوع والاختلاف. نرى مخاوف وشكوكا طائفية تذكي النزاعات؛ ونرى أناساً يقصون غيرهم ويسيئون معاملتهم لأنهم بالنسبة لهم يمثلون الآخر، ولمجرد أنهم من أقليات مختلفة أو ديانات أخرى أو نساء، رغم أنهن نصف البشرية.
إننا نسمع كذلك خطاب الكراهية المثير للريبة. ويضاف إلى كل هذا مجموعات المتطرفين الذين يستخدمون الدين ويشوهونه بهدف السيطرة على الناس وزرع الفتنة بين المجتمعات".
كما دعا جلالته، الطلبة، إلى اعتماد الشك والتساؤل في التعامل مع أولئك الذين حادوا عن طريق الحوار الذين يقولون لكم إن الحقيقة مقتصرة فقط على قلة مختارة وعالمة. الذين يحاولون خداعكم وتوجيهكم نحو الجوانب المظلمة لشبكة الإنترنت، أو إلى طريق الكراهية المسدود. "يجب ألا نسمح أبداً لمن يفترون على ديننا، أو على أي دين آخر، بأن يزرعوا الفرقة في عالمنا".
كلام جلالة الملك مباشر وواضح، ولكن يبدو أنهم في كليات الشريعة والجامعات والمدارس السلفية يعتقدون أنه موجه للخارج وليس للداخل أيضا، مع أنه موجه إليها أيضاً، فهو يُبث في الوقت نفسه في وسائل الاتصال في الأردن، وتتكرر إذاعته فيها مرات عدة كي يسمع من لا يسمع ويفهم من لا يفهم.
يمثل هذا الخطاب وكثير غيره قبله، وكذلك أوراق جلالته النقاشية، استراتيجية الأردن الفكرية والسياسية والثقافية. ولكن يبدو أن تلك الكليات والجامعات والمدارس تعيش في عالم آخر، فلا تسمع ولا تقرأ ولا تتعلم، مستمرة في خطابها نفسه، وإلا كيف يبث من قاعاتها خطاب معجون بالكراهية والازدراء والسخرية من أديان سماوية أخرى وكأنها تدعو إلى إقصاء جزء أصيل وعزيز من الشعب؟ ألا تدرك أن الآخرين في البلاد الأخرى يمكن أن يحذوا حذوها نحو الإسلام والمسلمين؟!
لو كانت لدى الكلية والأستاذ المعني أي ذرة من الموضوعية العلمية لرتبا لممثل من ذلك الدين، للرد عليه دينياً في القاعة نفسها وبالحرية نفسها التي توافرت للأستاذ. ولتعلم الكلية وليعلم الأستاذ أن أصحاب أي دين لا يستطيعون أن يثبتوا صحة دينهم المطلقة في محكمة عادلة لأن الدين معتقد أو معتقدات لا معرفة تخضع للتجريب والقياس. لو كان الأمر كذلك، أي لو كان الدين علماً كالرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء، لاتفق العالم كله فيه.
وأخيراً، فإن من أهم صفات العالم الباحث؛ النزاهة أو الموضوعية؛ أي إخراج البحث نفسه مؤقتاً من موضوع البحث مهما كان عزيزاً عليه في أثناء البحث، ولكن يبدو أن ذلك غير معروف بعد في الكلية أو عند الأستاذ.
لطالما دعوت إلى إخراج كليات الشريعة من الحرم الجامعي لتحريره من قبضتها لأنه لا يجتمع على وفاق منهجان متناقضان في حرم واحد، وهما المنهج الغيبي والمنهج العلمي، ولأن المنهج الغيبي هو المسيطر على الحرم والساحة فإنه يفتك بالمنهج العلمي.
وختاماً: غريب أمر الحكومة الأردنية، فهي من جهة تصدر أحكاماً متفاوتة بالسجن والشغل على من يروج لأفكار القاعدة وداعش، ومن جهة أخرى، وفي الوقت نفسه، تسمح لهما بتدريسها في الكليات والجامعات والمدارس، فلا تقوم بتشكيل لجنة نزيهة لفحص ما يجري فيها من تعليم، وهل هو متفق مع مبادئ التعددية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

التعليق