د.أحمد جميل عزم

حول إعلان البندقية (2)

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2018. 01:05 صباحاً

ينقسم الموقف الفلسطيني والعربي إلى حدٍ ما في تشخيص سبل الخروج من المأزق الراهن في عملية التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، في مواجهة سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إزاء القضية الفلسطينية، التي بدأ تنفيذها على الأرض، بالقيام بإجراءات أحادية الجانب، دون مفاوضات. وبينما لا زالت المواقف الرسمية العربية تبقي خطوط الاتصال مفتوحة مع الإدارة الأميركية، يريد الفلسطينيون، صيغة بديلة، وإذا كان الحديث عن رعاية أوروبية أو روسية أو صينية، أو دولية، بديلة، أو تكميلية، تبدو بعيدة المنال، فإنّه ما يزال ممكناً الطلب من الأطراف الدولية التدخل، واقتراح سبل لفعل ذلك، من مثل اقتراح إعلان الاتحاد الأوروبي معايير واضحة، وبيان رسمي، يعقبه تحرك أوروبي.
وقّعت في آذار (مارس) 1979، اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، بشكل ثنائي، ودون حل شامل للقضية الفلسطينية أو باقي ملفات الصراع العربي الإسرائيلي. وكانت المجموعة الأوروبية (التي تحولت لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي)، تتشكل من تسع دول لا غير، وجرى الاتصال معها، ويعتقد أن الراحل نعيم خضر، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بلجيكا، لعب دوراً كبيراً في الاتصال مع الأوروبيين، لتوضيح خطورة منهجية الاتفاقيات المنفردة على الاستقرار في الشرق الأوسط. ما أسفر عن صدور ما صار يعرف باسم إعلان البندقية، في حزيران (يونيو) 1980، بعد الاجتماعات التي عقدت في هذه المدينة الإيطالية. (تم اغتيال خضر بعد عام من صدور الإعلان). 
أشار البيان للاتفاق المصري الإسرائيلي، وإلى خطورة أن لا يكون الاتفاق شاملا، جماعيا، وبينما أشار البيان إلى أهمية ما أسماه حق وجود وأمن إسرائيل، جرت الإشارة على نحو غير مسبوق حينها، إلى "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني". ودعا البيان إلى تسوية على أساس قرار من الأمم المتحدة، وأي اتفاقيات تكميلية أخرى، وأعلن الموافقة الأوروبية على إطار تسوية "ملزمة بضمانات دولية، بما في ذلك ضمانات على الأرض".  ورفض البيان اعتبار القضية مجرد قضية لاجئين (أي قضية إنسانية)، بل أكد على حق تقرير المصير. وطلب اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات، وهو أمر كان مرفوضاً أميركيا وإسرائيلياً، وشكل خطوة نوعية. وفي آخر بند في الإعلان، تقرر القيام باتصالات مع الأطراف المعنية لتحقيق هذه الرؤية.
عند التدقيق في الموقف الأوروبي الراهن، يتضح أنّ هناك "مدا وجزرا" في هذا الموقف، ويمكن أن يتغير موقف دولة أوروبية بمجرد تغير حكومة أو وزير، مثلما حدث مع تغير موقف فرنسا من عقد مؤتمر مفاوضات بمرجعية ملزمة وواضحة، ووعد باعتراف فرنسي بدولة فلسطينية، إذا ما فشلت المفاوضات، وقد كان لاستقالة وزير الخارجية لوران فابيوس، في شباط (فبراير) 2016، دور في التراجع الفرنسي. ويرفض، ولا يستطيع، الأوروبيون، أن يكونوا راعيا بديلا من عملية سلام، لأنّ الأميركيين والإسرائيليين يرفضون ذلك. ويتضح من زيارة وزيري الخارجية الألمانية والفرنسية إلى الرئيس الفلسطيني، الاثنين الفائت، أنهما يريدان من الفلسطينيين عدم قطع الحوار مع واشنطن. بل ويخشى الأوروبيون كثيراً من تبني قرارات مثل مقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي، وإجراءات أخرى، ومن أسباب هذه الخشية قوة اللوبي الإسرائيلي في هذه الدول. وإن كان الموقف من الاستيطان أكثر تقدماً.
رغم التردد، فإنّ الخطط الأميركية الراهنة لفرض أمر واقع جديد، وإجراءات أحادية أميركية وإسرائيلية، تثير قلقاً في أوروبا، لأسباب منها أن ما يجري جزء من عملية تحطيم المؤسسات والقوانين الدولية، وهو ما سيمس حتى أمن ومصالح هذه الدول في المدى الأبعد. ولأن التوتر في الشرق الأوسط يفاقم مشكلات اللاجئين، والأمن في أوروبا.
إن حواراً مع الدول الأوروبية، على قاعدة المصلحة المشتركة، في مجتمع دولي أكثر فاعلية، في وجه السياسات الأميركية الحالية، مدخل مناسب لطلب موقف أوروبي موحد واضح. وبينما يمكن للفلسطينيين طلب إجراءات أوروبية عملية للسير في عملية إزالة الاحتلال، يمكن الاستفادة من موقف واضح أوروبي حتى لو لم يصل السقف المطلوب. ويمكن لهذه الدول تقديم موقف قد يأخذ شكل بيان بندقية ثانٍ، يشدد على القانون الدولي في حل القضية الفلسطينية، والاتصال بالدول العربية المترددة في مواقفها، ليتم تصليب جبهة عربية أوروبية تساعد في التصدي للخطط الأميركية.  

التعليق