(لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)

تم نشره في الجمعة 30 آذار / مارس 2018. 01:10 صباحاً

د. محمد عيسى الشريفين

سأتحدث في هذا المقال في محطات مكملة لمقالي السابق والمعنون بــــ"حد الردة سيف السياسة ودرع الطائفية"، وسيكون الحديث في هذا المقال عن خلل خطير سيقت بسببه الأمةُ الإسلامية إلى مستنقع التكفير، ثم الحكم بالردة ثم استباحة الدماء، وهذا الخلل نشأ من تطبيق روايتين عُدتا من الأصول المعتبرة التي بُنيت عليها أحكام شرعية ذات شأن خطير، رغم أنها في مقياس موثوقية الأخبار-أي درجة الصحة اللازمة للاحتجاج بالخبر- لا يعتد بهما خاصة في مثل هذه الاحكام الدقيقة الخطيرة .
والروايتان هما:
 الأولى: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
والثانية:" مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا".
وإذا ما تحدثنا عن الرواية الأولى فإن هذه الرواية قد استخدمت بطريقة أدت إلى اتساع دائرة الواقعين من المسلمين في إطار المرتدين الخارجين عن الملة، وبالتالي يُحكم عليهم بالقتل دون إبطاء أو مساءلة، وهذا هو نص الرواية، والفاءُ هنا واقعةٌ في جواب الشرط وتفيد المسارعة، وهذا ما حدا بكثير من الفقهاء إلى القول بضرورة المسارعة في تطبيق حد الردة رغم أن ما ابتدعوه من الاستتابة-الحبس مع طلب التوبة- ليس في نص الحديث، ويشهد لذلك ما رُوي عنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري أَنَّ رَجُلاً أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِى مُوسَى فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ".
وقد أدى هذا التطبيق لرواية: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، إلى إدخال كثرة كاثرة من المسلمين في دائرة التكفير؛ إذ إن انقسام الأمة الإسلامية بعد فتنة مقتل سيدنا عثمان -رضي الله عنه- إلى شيع متناحرة أدى إلى التكفير المتبادل، فكل بما لديهم فرحون، وكل من خالفهم في صغيرة أو كبيرة يعد مبدلا في الدين داخلا في حكم الرواية: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ".
وإذا ما جئنا إلى الرواية الثانية:" مَنْ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا"، والمقصود بها أن من اتهم أخاه بالكفر فأحدهما كافر، الـمُتهِم أو الـمُتهَم، وهذه تقوم مقام التأكيد على التكفير المتبادل؛ إذ لا يبقى من المسلمين خارجا عن دائرة التكفير إلا النَـزر اليسير، فتكفير المسلم لا يمكن ابتناؤه إلا على الظاهر لأن الله تعالى وحده من يتولى السرائر، وعليه فإن رَميَ المسلم بالكفر استنادا إلى زعم تبديل الدين هو من قبيل الظن، والظن في مثل هذه المسائل لا يغني من الحق شيئا، فإن ثبت ذلك حاق التكفير بالمكفِّر والمكفَّر مما يدخل الفرقتين في صراع عقدي دموي، وهذا ما حصل في الواقع.
وخلافاً للحدود وما يترتب عليها من أحكام؛ إذ يُــعد إقامةُ الحد كفارةٌ للذنب وتنقيةٌ للمذنب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في إقامة الحدود:"وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ". فإن حد الردة قد استثني من هذه الفضيلة؛ إذ مقارفُ حد الردة يعدُ كافرا ومصيرهُ إلى النار، ولا يَرثُ ولا يُــورث، وماله من بعده فيءٌ يعود لبيت مال المسلمين، استنادا لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى"أي مختلفة؛ وقد عُلم أن من حُكم عليه بالردة خرج من ملة الإسلام.
وبالنظر في واقع الامة وما جرى عليها، وما جرّته إليها مثل هذه الروايات من ويلات؛ الأمرُ الذي كان له أثر عميق على مفاصل الأمة مجتمعاً وأفرادا، وسألقي الضوء على بعض هذه الويلات فيما يأتي:
أولا: استباحة دماء الأبرياء من المسلمين وأموالهم. وعلى سبيل المثال فالحكم بالردة على شخص ما يهدر دمه ويصبح ماله فيئا، ويجري هذا الحكم عند بعض الفقهاء حتى على أتفه الأسباب، نحو: الحكم بالردة على من جهر بالنية في الصلاة -حسب فتوى ابن تيمية المستندة إلى المذهب الحنبلي- فإنه يستتاب وإلا قُتل مرتدا وجرى عليه أحكام المرتد! والغريب المريب أنه لا يقتل حسب المذاهب الأخرى!
ثانيا:القتل بالتهمة. ومثاله ما فعله الخليفة المهدي حيث رُوي أنه كان يتتبع الزنادقة ويقتلهم على التهمة، بلا تثبت أو شبهة دليل.
 ثالثا: التعصب للمذاهب والطوائف وادعاء كل مذهب وطائفة باستئثارها الحق دون غيرها. وقد جرى هذا في التاريخ الإسلامي في طول البلاد وعرضها وكلما جاءت أمة لعنت أُختَها، فهذا المأمون يُقرب المعتزلة ويمكنهم من مفاصل الدولة، وينقم على من لم يقل بقولهم، ثم جاء من بعده المهدي الذي قرب أهل الحديث ومكن لهم، وتتبع من كان يقول بقول المعتزلة بالقتل والتنكيل، إلّا أن يتوبوا ويرجعوا عما هم عليه من كفر مزعوم، والتاريخ يشهد لذلك.
رابعا: تفكيك الأمة الإسلامية وضياع جهودها، وتراجعها إلى ذيل الحضارة. لقد كان التكفير وقوداً للصراع الفكري والتناحر السياسي والطائفي، ومن أسلحته التي أشهرها بوجه المخالف تحت طائلة حكم الردة فالقتل، وهذا كله حَرم الأمة من الإنتفاع بطاقات أبناءها، وجعلها تقف على حد زمني لم تستطع أن تتجاوزه،ويقدر هذا الحد بألف سنة على الأقل؛ تجاوزته في أثناءه الأمم، وقطعت فيه أشواطاً كبيرة في بناء الحضارة الإنسانية، تخلفت دونها أمة المسلمين. ومما يدل على موثوقية هذا الكلام أن بغداد التي كانت حاضنة الثقافة ومنارة العلم والمعرفة غدت هذه الأيام وفق التصنيف الدولي للمدن الأكثر رفاهية في ذيل القائمة وذلك بسبب التناحر الطائفي.
خامسا: تفشي النفاق بين أوصال المجتمع والأمة. إن ظاهرة التكفير واستخدام آلية الإستتابة وإلا القتل يورث في المجتمع التَقّيِّة-اخفاء العقيدة- حفاظاً على النفس والمال مما يؤدي فيما بعد إلى أن تصبح مخالفة الظواهر للبواطن عند أفراد المجتمع من السجايا والأخلاق الدائمة، الأمر الذي يقود المجتمع إلى حال من التفسخ على صعيد المجتمع، والتباغض على صعيد الأفراد.
وهذه الآثار كلها ستجلب الشر المستطير على هذه الأمة وقد حصل، وما حالنا اليوم بهواننا على أنفسنا وعلى الناس إلا أعظم دليل على هذا الشر الذي حاق بنا بما اكتسبته أيدينا، فقد أصبحنا كالقصعة التي تكالبت عليها الأمم والله المستعان.
وهاتان الروايتان تخالفان بجلاء نص الآية الكريمة والتي يقول الله تعالى فيها:(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). وهذه الآيةُ الكريمة تتضمن أشد أنواع الوعيد لقاتل المؤمن عمدا، ومعلوم أن الإيمان أمر قلبي لا يعلم به الإ صاحبه، وكذلك تخالفان ما أمر به النبي صلى الله في حجة الوداع حيث قال آمرا الأمة "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"، وللأسف حصل ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم؛ استنادا إلى مثل هذه الروايات المزعومة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحكم الذي ما أنزل الله به من سلطان يضاهئ فعل بني إسرائيل عصيانا منهم لأمر ربهم، حيث قال الله تعالى:" وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".
وفي النهاية أود الإشارة إلى أن ما سطرتُه من مقالٍ في هذه الصحيفة الغراء لا يُـقصد منه التهجم على التراث الإسلامي، وإنما هو عرض لنتاج مجهود بحثي إجابة عن تساؤلات مشروعة حول مواضيع مهمة بهدف الإسهام في تأطير فكر إسلامي معاصر يحقق الغاية من رسالة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ملاحظة: جميع الروايات الواردة في المقالة سيفرد لها مقالة أو أكثر لبيان حالها سندا ومتنا وفق مناهج المحدثين.

التعليق