مفهوم البيعة في الإسلام!

تم نشره في الجمعة 30 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

م. غيث هاني القضاة

من الواضح أن هنالك مجموعة من المأثورات النبوية المتعلقة بموضوع "البيعة" التي يرددها الكثر لاستجلاب السمع والطاعة وتأطيرها باطار إسلامي لضمان عدم المعارضة من الموالين والتي قد تحكم هذه النصوص  أحيانا "بالجاهلية" على من فارق الجماعة،أو مات وليس في عنقه “بيعة" للإمام أو الخليفة! وأحيانا يتم استخدام هذه الاحاديث لتأصيل طاعة "أمراء الجماعات الإسلامية الضالة والفاسدة بعضها " وتحريم المعارضة لهم، وقد يجعلها بعضهم إثما أو خطيئة، علما بأن الصحابي الجليل سعد بن عبادة مثلا ومعه رهط من بني زُهرة وقوم من بني هاشم وغيرهم رفض البيعة لابي بكر رضي الله عنه طوال خلافته ورفض البيعة ايضا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يحدث أن أكرهه أحد على "البيعة “أو عاقبه على خلافه للامة في هذا الشأن، وبقي علي بن ابي طالب رضي الله عنه مثلا  رافضا للبيعة حتى توفيت زوجته فاطمة بفترة وصلت الى ستة أشهر كما تقول بعض الروايات التاريخية!
هنالك حديث شريف في صحيح مسلم نصُه يقول: "من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حُجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وقد استُخدم هذا الحديث استخداما سياسيا في جميع الحركات والجماعات الاسلامية ،علما بأن من درس الحديث من كبار المفكرين، يقولون بأن "البيعة" التي يتحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الذين أمنوا للرسول عليه السلام،الذي دعاهم حينها للايمان فهي بيعة له بالنبوة، وهي البيعة التي انتقلوا فيها من "الكفر" الى "الايمان" فهي لم تكن "بيعة سياسية" بل "بيعة دينية" متعلقة بالرسول الكريم ، و هي تختلف عن بيعة رئاسة الدولة أو ما شابهها،  وهذا بالمناسبة  ينطبق على كافة النصوص التي جاءت في موضوع البيعة الدينية.
فنحن أمام "بيعة دينية" وليست "بيعة سياسية" حسب النصوص الواردة وحسب أسباب نزولها، وهي ليست البيعة لامراء السياسة والولاة والرؤساء في الدولة أو التنظيمات أو الجماعات التي يحلو للبعض غالبا أن يأتي بالنصوص التي تتحدث عن "البيعة السياسة" ليعطيها بُعداً دينيا عقديا ،ومن غير المقبول حقيقة هذا التسخير للمأثورات الدينية والاحاديث الشريفة لكي تصب في صالح جماعة هنا أو هناك،لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أشد الحرص على التمييز بين البيعة السياسية و الدينية ،عندما كانوا يسألونه عليه السلام:أهو الرأي و الحرب و المشورة أم هو منزل انزلكه الله؟
من الواضح لمن يقرأ التاريخ أن المسلمين لم يختلفوا في الاصول أو العقائد الى حد كبير، بل كان الخلاف الرئيس حول السياسة وفلسفة الحكم ومنصب الخليفة، وكان اختلاف المناهج والطرق في سياسة الامة هو أساس الخلاف، ما أدى الى نشوء الفرق و المذاهب و استفحال بعض الصراعات و الحروب فيما بينهم، ومن الغريب أن معظم الخلاف كان بين تلاميذ أصحاب الافكار و بين (تلاميذ تلاميذ) هؤلاء بشكل أكبر! واذا كانت مصلحة الوطن أو الامة هي الغاية فلا بأس أن تتعدد الآراء و تختلف وتتنوع الطرق التي يسلكها هذا أو ذاك ولكن لا يصح تطويع النصوص لخدمة الفئة المتسلطة سياسيا .
مفهوم البيعة في الإسلام تم استغلاله أبشع استغلال سواء من قادة الجماعات الإسلامية أو من بعض القادة السياسيين لتطويع الناس والمجتمعات لضمان عدم معارضتهم، واعتبار أي معارضة  حينها  هي عصيان لله والرسول ! علما بأن الدارس للتاريخ والسيرة بشكل منهجي سيصل الى نتيجة مفادها أن "البيعة" المقصودة في جميع الآيات والاحاديث النبوية في الإسلام كانت بيعة "دينية" خاصة بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام وتنطبق فقط على طاعة الامراء الذين كان يعينهم في ذلك الزمن،  ولا يصح تطبيقها او استجلاب مفهومها واسقاطه على واقعنا المعاصر مهما كانت الأسباب ، لان مفهوم المفهوم السياسي للدولة والساسة قد تطور واختلف ولا يمكن باي حال من الأحوال تطبيق ذلك المفهوم على واقعنا السياسي اليوم.

التعليق