د.أحمد جميل عزم

مسيرة العودة.. "سكتش الكابوس"

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2018. 12:06 صباحاً

شكلت مسيرة العودة من غزة، الجمعة الفائتة، خطوة نوعية متقدمة في العمل الفلسطيني، ولعل أكثر من يعرف هذا الجانب الإسرائيلي الذي واجه المسيرة بخطة قتل مسبقة عن سابق تصميم وإرادة. وهذه المسيرة، باهظة الثمن (16 شهيدا ومئات الجرحى)، تضاف لأجزاء أخرى من المشهد الفلسطيني، أو من معالم مشهد ما تزال بعض أجزائه مرسومة بخطوط أولية. تماماً كما لو كانت خطوط قلم رصاص، لرسام، فيما يسمى عادة باسم "سكتش" الذي على أساسه ترسم لوحة كاملة، أو هو عناوين أولية لما يمكن أن يتحول لخطة كاملة.
يمكن رؤية مسيرة غزة في ثلاثة سياقات رئيسية، أولها أنّ هذه ليست المسيرة الأولى من نوعها، فهي مراكمة في فكرة موجودة سابقاً، ولكن ربما هي الأكبر والأجرأ والأكثر "ثمناً" في الأرواح. ففي العام 2011 جرت مسيرات عودة، من لبنان والأردن ومصر وسورية، وكان المخطط حينها الانطلاق من 30 نقطة حدودية، وأيضاً واجه الإسرائيليون تلك المسيرات بقسوة بالغة. بل الأكثر من ذلك، هناك محاولات تسبق 2011 كثيراً، وعلى سبيل المثال، كان هناك مشروع لسفن عودة تنطلق باللاجئين من قبرص، وفجر الإسرائيليون السفينة العام 1988، ونُظّمت في العام 1990 مسيرة للعودة في الأردن، قُدّر عدد المشاركين فيها أيضاً بعشرات الآلاف ووصل بعض المشاركين إلى الحدود فعلا حينها. والسياق الثاني، أنّ هذه المسيرة تضاف لهبّات شعبية لا تكاد تنقطع في السنوات الأخيرة، فهي تضاف لهبة 2015-2016 في الضفة الغربية والقدس، وتضاف إلى هبة بوابات القدس في صيف 2017. والسياق الثالث، أنّ هذه الانتفاضة جاءت من غزة تحديداً (حتى الآن). ويرتبط هذا بحالة الضيق والحصار والمعاناة في القطاع، مثلما يرتبط بالإيمان بحق العودة في القطاع وأماكن تواجد اللاجئين الأخرى.
الذين خرجوا جماعات صغيرة متتابعة، العام 1948، بعد طول تردد، بفعل القوة الصهيونية: المجازر المباشرة، والقصف بالطيران، والحرب النفسية، يعودون بحسب مسيرات العودة الحالية والسابقة واللاحقة، من دون تردد وجماعياً، للحدود التي أبعد آباؤهم وأجدادهم منها، فضلا عن أنّ المسيرة بديل نوعي لتعثر الكفاح المسلح. وهذه الصورة، والخطوة النوعية، أرعبت الإسرائيليين، وجعلتهم لا يترددون بتدفيع العائدين ثمناً باهظاً، ففكرة العودة الجماعية، وفكرة النضال السلمي الشعبي الواسع، سيناريوهان يريد الاحتلال تفاديهما بأي ثمن.
ما يجري حالياً على صعيد المقاومة كما على كل صعيد، هو (سياسات أو "حسابات") إسرائيلية، مقابل (ردود أفعال وأفعال) فلسطينية. بمعنى أنّ هناك خططا إسرائيلية، تتعلق بالاستيطان وفرض الأمر الواقع ومنع المقاومة، مقابل سلسلة أعمال مقاومة فلسطينية، غالبيتها ليست مخططة، وليست مستمرة، وليست متكاملة وفق خطة لقيادة جامعة فلسطينية. ولكن بتجميعها تشكل معالم ما قد يتحول لخطة مقاومة شعبية متكاملة.
مثلا في الضفة الغربية، أثبتت مجموعات نواطير القرى، ومجموعات الشباب المستعدة بشبكة تواصل اجتماعي معينة، فعالية في سرعة التجمع لمواجهة اعتداءات المستوطنين والجنود في مناسبات عديدة، وهناك بؤر مواجهات أسبوعية شبه ثابتة، وهناك حملة مقاطعة للبضائع الإسرائيلية، وهناك هبّات تعبئة جماهيرية متفاوتة المستوى، فقد خرجت في الضفة مسيرات بالآلاف في مرات عديدة في السنوات الفائتة، مثل مسيرة الـ48 ألفا العام 2014 (إلى معبر قلنديا)، وفعاليات التضامن مع الأسرى العام 2017، وقُرى الخيام بمواجهة الاستيطان، ومسيرة شارع الشهداء السنوية في الخليل، وغير ذلك.
لا تتكامل النشاطات التي تجري حاليا ولا تتواصل مع بعضها، عن وعي مخطط، وليست جميعها بمستوى يحقق الزخم الذي ينشده من يقوم بها، ولكنها تعبر أولا عن أنّ حالة الاستكانة غير موجودة. وثانيا، أنّ هناك سبلاً مختلفة للمقاومة، وبالتالي فإنّ جمع هذه النشاطات في بوتقة واحدة وموجة متكاملة متزامنة، يمكن أن يشكل كابوساً إسرائيلياً حقيقياً، لأنها تفرض قواعد اشتباك في مجال لا تتفوق به إسرائيل (القوة الشعبية بدلاً من القوة المسلحة العسكرية النظامية)، فمثل هذه النشاطات، عدا عن صعوبة مواجهتها، تمس حياة المستوطنين والإسرائيليين مباشرة.
إذا ما تطورت المسيرات السلمية للعودة، بتحصينها مثلا بحضور دولي للمتضامنين والمراقبين الأجانب، وبتهيئة إعلامية عالمية، وبكثير من التنسيق بين المواقع الأخرى للاجئين، ومع فعاليات أخرى، فهذا سيشكل قوة مؤثرة في الصراع.

التعليق