هل يفعلها ترامب؟

تم نشره في الخميس 5 نيسان / أبريل 2018. 12:04 صباحاً

لقد تفاجأ الجميع، بمن فيهم وزارتا الخارجية والدفاع الأميركي، بإعلان ترامب بأنه سوف يسحب القوات الأميركية من سورية. ردة الفعل الأولية كانت تعتبر هذا الإعلان تصريحاً عابراً، كونه تم الإعلان عنه في مؤتمر، ولكنه عاد وأكد رغبته هذه قبل يومين، وأنه سوف يترك التعامل مع سورية لأطراف أخرى لم يُسمها.
الاستراتيجية المُعلنة للولايات المتحدة في سورية التي أدت إلى تدخلها العسكري تتكون من شقين: الأول له علاقة بالتحالف الدولي العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، الذي تم الإعلان عن هزيمته على الأقل في العراق. والثاني، مرتبط بمنع الميليشيات التابعة لإيران في العراق وسورية من التواصل الجغرافي. وعليه، ربط هذه القوات مع قوات ومناطق نفوذ حزب الله في سورية ولبنان.
المفاجئ في إعلان الرئيس ترامب، أنه لم يتم الانتهاء من الملفين، وأن انسحاب القوات الأميركية الآن قد يقوّض المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في حربها على "داعش" من جانب، ومنع الميليشيات المدعومة إيرانياً من التواصل  الجغرافي من جانب آخر.
في الجانب الأول، استندت الولايات المتحدة في حربها على داعش على قوات سورية الديمقراطية، التي يشكل غالبيتها الأكراد، وأغلب تواجدها في المناطق الكردية.
لقد لعب الأكراد دوراً مهماً مع التحالف الدولي في تحرير مناطق في العراق وسورية من تنظيم "داعش"، ولكن بشكل أكثر في سورية؛ إذ قدمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً ولوجستياً لهذه القوات. والمتغير بهذه المعادلة هو دخول الأتراك منطقة "عفرين" وإعلامهم بالتوجه نحو منهج يهدف إلى السيطرة على المناطق الكردية، والقضاء على القوات الكردية التي تعتبرها تركيا منظمات إرهابية.
الولايات المتحدة على خلاف مع تركيا حول تدخلها في المناطق الكردية، ولكن هذا الخلاف لم يصل لحد التصادم، ولكن إصرار الأتراك على التوجه الى "منبج" سيؤدي لا محالة لصدام عسكري مع أميركا، إلا إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب من المناطق الكردية التي لن يكون المرة الأولى التي يتخلى بها الحلفاء عن الأكراد.
المسألة الثانية مرتبطة بالهدف الاستراتيجي بالقضاء على "داعش"، منع الميليشيات المدعومة إيرانياً من الربط مع العراق وسورية. إن الانسحاب الأميركي سوف يؤدي إلى محاولة ملء النزاع من قبل تنظيم "داعش" لأنه لم ينته كلياً في سورية أو من قبل المنظمات المتطرفة الأخرى، كما أنه سوف يسهل تواصل الميليشيات المدعومة إيرانياً مع بعضها بعضاً في العراق وسورية. بالرغم من أنه من الصعب معرفة السبب الحقيقي وراء قرار الانسحاب إذا ما تم اتخاذه، ولكن يمكن ربط هذا التطور بالتصعيد الأميركي ضد إيران، سواء كان ذلك من حيث الوجود الإيراني بسورية والعراق ولبنان، أو من حيث نية ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، واحتمالية مواجهة عسكرية مع إيران. القوات الأميركية بالعراق وسورية عددها محدود، والتخوف من أن تصبح هدفاً عسكرياً سهلاً بكل الأحوال، فإن رغبة ترامب بالانسحاب من سورية لم تتحول بعد الى سياسة أو قرار سياسي، ولكن في حال أصبح ذلك واقعاً، فإن الولايات المتحدة تكون أضاعت مكاسبها أو نجاحاتها في محاربة "داعش"، والحد من النفوذ الإيراني، وتكون مرة أخرى عن غير قصد ربما أسهمت بتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، كما حدث في العراق بعد احتلاله. كذلك، فإن الانسحاب الأميركي قد يضر بمصالح بعض الحلفاء غير المنخرطين مباشرة بالنزاع السوري، ولكن التنظيمات المتطرفة بأنواعها كافة تشكل تهديداً مباشراً لأراضيها التي من ضمنها الأردن. فانسحاب الولايات المتحدة خاصة من التنف سيؤدي إلى عودة بعض التنظيمات الإرهابية للمنطقة، التي سوف تشكل تهديداً مباشراً للأردن، فضلاً عن مستقبل الاتفاق الأردني الأميركي الروسي حول درعا، واعتبارها إحدى مناطق خفض التصعيد لكل هذه الاعتبارات، فمن المرجح أن تصطدم رغبة ترامب مع كل هذه التعقيدات في الوضع السوري الذي بالتأكيد تعرفه جيداً الدوائر العسكرية والسياسية الأميركية.

التعليق