دائرة الإفتاء وأثرها في نشر ثقافة التسامح

تم نشره في الجمعة 6 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

كنت أستمع يوماً إلى أحد البرامج الدينية يبث على أثير إحدى إذاعاتنا الأردنية، وكان البرنامج عبارة عن فتاوى يجيب فيها المفتي عن أسئلة المتصلين؛ حيث اتصل أحد الأشخاص بالمفتي ليسأله عن مدى جواز سفر المرأة لدولة أخرى بدون محرم لها، مع العلم بأن أخاها سوف يوصلها إلى مطار المغادرة بينما ينتظرها زوجها في مطار الوصول، فهل يجوز لها السفر؟ فكان جواب المفتي على النحو الآتي: لا يجوز لها السفر؛ إذ يحرم على المرأة أن تسافر بدون محرم، وزاد المفتي على ذلك بقوله حتى وإن كان زوجها ينتظرها في المطار فذلك لا يجوز؛ لأن الطائرة قد تتعطل -وهنا انتبه المفتي إلى أن تعطل الطائرة يعني الكارثة للجميع- فتضطر الطائرة للنزول في مطار آخر.
تخيلوا معي كيف أن مثل هذه الفتوى -ومثلها كثير- معيقة لحركة الناس ومعطلة لمصالحهم؛ إذ لا حل لهذه المرأة إلا بأن يترك الزوج عمله ويحصل على إجازة من مركز عمله ويتكلف ثمن تذكرة ذهاباً وإياباً وما يتبعها من أمور مالية، أو أن يسافر معها محرمها مع ما يتطلبه ذلك من تأشيرة لدخول تلك الدولة، إضافة لثمن التذاكر وغياب عن العمل، أو تبقى هذه الزوجة بعيدة عن زوجها ولا يسمح لها بالسفر لحرمة سفرها وحدها.
إن مثل هذا الخطاب وهذه الفتاوى التي تقف عند ظواهر النصوص وقوالب الألفاظ لا يمكن لها أن تحل مشاكل الحياة، ولا أن تحقق مصالح الناس، بل هي معيقة للحركة ومعطلة للتطور، والأهم من ذلك أنها تجعل الدين عبئاً ثقيلاً على النفوس والضمائر، وتدخل الناس في الحرج والمشقة مع أن القاعدة العامة في التشريع الإسلامي هي قوله تعالى: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"، كما أنها تعطي صورة مشوهة عن الدين والتدين.
فليس شأن الفتوى بالأمر الهين أو السهل؛ إذ هي قد تسهم في تطوير المجتمع وتقدمه وتعمل على صيانته من التطرف والكراهية، وتعمل على نشر ثقافة التسامح وتقبل الآخر، وقد تؤدي إلى آثار عكسية تدمير المجتمع مادياً أو معنوياً، أو تسهم في نشر البغضاء والفرقة بين أفراد المجتمع وتهدد السلم الأهلي وتوهن الاستقرار العام.
ونظراً لأهمية الفتوى وأثرها على الفرد والمجتمع، ألف ابن قيم الجوزية كتاباً خاصاً سماه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، بين كيفية الفتوى مناهجها.
ومما يدل على خطورة الفتوى، أن كثيراً من حركات العنف والإرهاب تستند في كثير من أفعالها الشنيعة وغير الإنسانية إلى بعض الفتاوى الارتجالية التي لم تتبصر عواقب الأمور ولم تنظر في مآلات الأفعال ونتائجها، فأضحى القتل باسم الدين وتدمير الأوطان وخرابها لأجل الدين. لذا كان من الواجب على دائرة الإفتاء أن تسعى لتحقيق معايير جودة الفتوى، وأن تعمل على أن تكون الفتوى ملائمة للواقع معبرة عن حقيقة الشريعة ومقاصدها، تراعي الأولويات وتقدر المواقف بطريقة صحيحة، وحتى يتحقق ذلك، لا بد من بناء جسور الثقة بين الدائرة والمجتمع، ولن يحصل ذلك إلا إذا شعر الناس بصدقية الفتاوى التي تصدرها ومن كونها معبرة عن حكم الشرع، وبعد ذلك على الدائرة أن تعمل على ضبط الفتوى ومنع غير المؤهلين علمياً من ممارسة الفتوى، وهذا يستلزم وضع الأسس والمعايير والضوابط العلمية والموضوعية لاختيار المفتين، واعتماد البحث العلمي الرصين والمحكَّم ليكون وسيلة لترقيتهم وحصولهم على امتيازات الدائرة، ولا بد من عقد الدورات التأهيلية والتدريبية لهم، خاصة ما يتعلق بالقضايا المعاصرة، لرفع كفاءتهم وتطوير قدراتهم.
ولما كانت هناك جهات أخرى غير دائرة الإفتاء لها علاقة مباشرة بالفتوى، كان من الضروري تعاون هذه الدائرة مع كل المؤسسات الدينية المختلفة كوزارة الأوقاف وكليات الشريعة، للتنسيق فيما بينها منعاً لتضارب الفتاوى وتناقضها.
وأخيراً، وحتى تتحقق هذه الدائرة من أن فتاواها تخدم المجتمع وتعمل على حل مشكلاته، وتسهم في نشر ثقافة الإخاء والتسامح، لا بد لها من العمل على إنشاء دائرة خاصة بالتغذية الراجعة، تدرس أثر فتاوى هذه الدائرة أو غيرها من الفتاوى على المجتمع ودورها في نشر التطرف أو التسامح.

التعليق