اللغة بين مبدع النص وناقده

تم نشره في الأربعاء 11 نيسان / أبريل 2018. 12:04 صباحاً

حنين ابداح

من البديهي أن تعرف لغة المبدعين المجاملة في كثير من السياقات الأدبية، ذلك أنه من شأنها مداعبة مشاعر المتلقي لجذب انتباهه؛ حيث يمكن للمبدع أن يكتب بلغة عالية المستوى سيكولوجيا، يمكنه أن يحتفظ بشخصيته، يتكلم عن ذاته وتجاربه، يمكنه أن يتحدث عن تجارب الآخرين سواء أكانت واقعا مُعاشا أو خيالا، يمكنه أن يضفي على نصوصه شخصيات من نسج خياله، يمكنه أن يوازي بين الواقع والخيال، وهو يصوغ نصوصه، يمكنه أن يوجه لغة نصوصه إلى فئات محددة يحترم فيها ذائقتهم ومستواهم الثقافي، يمكن أن يكتب باللغة العربية الفصحى السليمة، ويمكن أن يكتب بلهجته العامية، يمكنه أن يوائم في انتقاء الألفاظ والصور.
كل هذا وأكثر يمكن من المبدع، لكن ماذا عن لغة الناقد؟
الناقد عليه أن يكون أكثر حذرا في لغته، لأن لغته تحاور عقول الدارسين المتخصصين ليتمكن من إقناعهم من خلال قدرته على الكشف عن مواطن الجمال أو القبح في النصوص الأدبية، لذلك كان واجبا على الناقد أن يكون وصفيا بلغته الصارمة البعيدة عن المجاملات وتصفيف العبارات... عليه أن يحدِّد قبل كلّ شيء أنه يتعامل مع سلطة النص ومؤسسة اللغة، ولذا فإنه فرض عليه أن يبتعد عن المدح والذّم.
أما إذا كان غير ذلك فيما يصدر من دراسات نقدية فهو في حيز المراوغة.
لكن من الذي يراوغ، النقد أم الناقد؟
فُتِنَ كثيرٌ من النقاد بالخروج على المناهج النقدية الجادة (التي لا تعرف للمراوغة طريقا)، وذلك من خلال تبني منهج قائم على بناء النص على النص، فلا غرابة إذن بأن يعمد كثير ممن يصفون أنفسهم بالنقاد إلى تقسيم عملهم إلى قسمين: يكون الأول محصورا في الأطر النظرية والمرجعيات المعرفية، التي تستند -في أغلبها- على مقولات نقدية ليس لمن انبرى للنقد يد فيها، أما الثاني فهو وجهة النظر التي يعالج بها النص الإبداعي.
ومن البديهي في هذا السياق أن تمهد المقدمات النظرية لإبداء وجهة النظر التي يعالج من خلالها النص الإبداعي، ولكن ادعاء بناء النص النقدي على النص الأدبي يذهب هباء منثورا؛ إذ سرعان ما تتكشّف الهوة ويظهر الانفصام بين النص المُعالَج والمقدمات النظرية، لذلك تكون مثل هذه المحاولات بلا أدنى قيمة، وخالية من النظر النقدي.
وكما أن النص الإبداعي يجب أن ينطلق من إطار معين، فالأصل أن ينطلق النقد من إطار معرفي موضوعي أيضا؛ ذلك أن نقد النص يتكئ على النص، ولكن كثيرا ما سنجد توهيمات إبداعية لا نصوص إبداعية، وبالتالي فإن ما سينبني عليها من نصوص نقدية ستكون في حيز المساهمات التي لا يمكن التنبؤ بمرجعياتها، فالنقد الذي لا مرجعية له لا يعول عليه.
وأخيرا؛ يمكن للغة أن تجامل الذوق في الإبداع، لكنه يتحتم عليها أن تجافي المجاملة في النقد البنّاء فلا وجود للنقد المراوغ... على الرغم من وجود نقاد مراوغين.

التعليق