لمِن يتصيَّد الهاتف الذكي: كيفَ تُكسَب الحروب الحديثة؟

تم نشره في الخميس 12 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • فلسطينية تلتقط صورة لجندي إسرائيلي بينما يلتقط صورة لها أيضاً في شارع في القدس – (المصدر)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ساشا بولاكوف-سورانسكي – (فورين بوليسي) 28/2/2018

عرض لكتاب، "الحرب في 140 حرفا: كيف تعيد وسائل الإعلام الاجتماعية تشكيل الصراع في القرن الحادي والعشرين"، صدر عن، "بيسك بوكس" في 320 صفحة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017.
*   *   *
أصبح من الشائع هذه الأيام إعلان أن عهد كلاوسفيتز قد ولى، وأن الحرب أصبحت تُخاض الآن بواسطة الهواتف الذكية وتغذيات "فيسبوك". وقد شرع بعض الكتاب في استكشاف ما يعنيه ذلك في الممارسة. ويروي الكتاب الجديد للصحفي ديفيد باتريكاراكوس والمعنون "الحرب في 140 حرفاً"، بتفصيل دقيق كيف حوَّلت وسائل الإعلام الاجتماعية الطريقة التي تخاض بها الحروب الحديثة. ومن ميادين المعارك في شرق أوكرانيا إلى مصانع الروبوتات في سانت بطرسبورغ، يأخذنا باتريكاراكوس في رحلة إلى حيوات مواطنين عاديين لا يتمتعون بأي تدريب عسكري، والذين غيروا مسار الصراعات بلا شيء أكثر من جهاز حاسوب محمول أو هاتف ذكي.
في القلب من كتاب باتريكاراكوس فكرة أن حرب السَّرد أصبحت أكثر أهمية بكثير من الحرب الفيزيائية، بسبب التقنيات الجديدة التي تقوم الآن بتشكيل التصورات العامة عن الصراعات في الزمن الحقيقي، وبغض النظر عما يحصل فعليا في ساحة المعركة. ويقول الكاتب أن انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية خلق حالة من "التجنيد الجماعي الافتراضي" الذي يعطي المدنيين قدرا كبيرا من السلطة، يماثل قدرة آلات الدعاية الحكومية –بل ويزيد عنها في بعض الأحيان. وعلى الرغم من أن بعض التقنيين اليوتوبيين احتفوا بانهيار سيطرة الدولة المركزية على المعلومات وبتمكين الفرد من تحدي الأنظمة الاستبدادية، فإن الكاتب ليس متحمساً بسذاجة لفكرة التماثل وتساوي أرضية اللعب. ويكتب: "لأن هذه المنتديات الجديدة للإعلام الاجتماعي هي أكثر مساواتية من الناحية الهيكلية، فإن الكثيرين يسعَدون بالإعلاء من شأن الإنترنت باعتباره الأداة النهائية ضد الطغاة". لكنه ليس كذلك، وكما يلاحظ باتريكاراكوس: "الدولة سوف تقاوم دائماً" –وقد فعَلت في الحقيقة.
لعل أقوى نقاط القوة في كتاب "الحرب في 140 حرفاً" هي تفضيل كاتبه إعداد التقارير التفصيلية العميقة من موقع الحدث على استخدام البديهيات الجاهزة في البرامج الحوارية. وفي الحقيقة، ليس هذا كتاباً عن "الليكزاس وأشجار الزيتون".(1) إن باتريكاراكوس يقطع أشواطاً بعيدة أيضاً لكي يرينا كلا جانبي كل صراع يغطيه. ويجلبنا فصله عن حرب إسرائيل في العام 2014 ضد حماس في غزة، والمعروفة باسم "عملية الدرع الواقي"، أولاً إلى منزل فرح بكر، الناشطة الفلسطينية على "تويتر" ذات الستة عشر ربيعاً، والتي أصبحت صوت غزة خلال حملة القصف الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن إحالات أقل تكراراً إلى الإرساليات والتغريدات من نوع "#غزة تحت الهجوم"، و"#المحكمة الجنائية الدولية لإسرائيل" (#GazaUnderAttack, #ICC4Israel)، كانت ستفي بالغرض، فإن باتريكاراكوس يرينا، بطريقة مقنعة، كيف أن بكر "استطاعت أن تتحول من مجرد طفلة إلى واحد من أكثر الأسلحة فعالية على الإطلاق". فقد ساعدت في تعزيز سرد الحرب الفلسطيني عن طريق إنتاج روايات شهود تدمي القلب عن مدينة تحت الهجوم، وفي توزيع المعلومات التي قامت منظمات الأخبار الرئيسية، التي تفتقر إلى الوصول إلى ساحة المعركة، بالتقاطها وتكرارها في تغطياتها الخاصة. وهكذا أصبح صحفيو الإعلام السائد "بالتالي وكلاء علاقات عامة لها". وفي حين أن "صواريخ (الفلسطينيين) لم تستطع أن توقف إسرائيل أبداً"، كما يلاحظ الكاتب، فإن "سردَهم قد يفعل". وسوف تتوقف بعض الكتب، القانعة بالاحتفاء بالمستضعَف البطل، عند هذا الحد؛ لكن كتاب باتريكاراكوس لا يفعل.
بدلاً من ذلك، يأخذنا الكتاب إلى الحرم الداخلي لقوات الدفاع الإسرائيلية ويدرس الكيفية التي تكيفت بها مؤسسة الدفاع الإسرائيلية، ببطء، لمحاربة عدو جديد وحرب رواية. ويحدثنا عن جندية شابة كانت قد دعَت رؤساءها "في حرب سابقة في غزة" إلى التوقف عن خوض "حرب تناظرية" وقامت بإنشاء قناة "يوتيوب" وحساب على "تويتر" لنشر سرد الجيش الإسرائيلي. بل إن الجندية دفعت ثمن مدوَّنة واسم إدارتها باستخدام بطاقتها الائتمانية الخاصة من أجل تجاوز البيروقراطية البطيئة للحكومة. وبحلول العام 2014، انضم مجموعة من كبار ضباط الجيش إلى الحقبة المعاصرة، وأصبحت صفحة جيش الدفاع الإسرائيلي على "فيسبوك" تستخدم الدعاية البصرية، وأشرطة الفيديو بشكل أساسي، من أجل تعزيز رسالتها. لكن المشكلة بالنسبة لإسرائيل، كما يلاحظ باتريكاراكوس، هي أنها ظلت في وضع "خاسر-خاسر" حتى عندما دافعت عن سردها باستخدام أحدث التقنيات. ويكتب: "إنها إذا قصفت أهداف حماس المندغمة في المناطق المدنية، فإنها تتلقى الإدانة الدولية، لكن حماس إذا نجحت في اختطاف أو قتل أي من جنودها، فإن حماس تكسب مرة أخرى". وقد ردت الدولة بشكل فعال، لكن سرد المستضعفين هو الذي ظل يهيمن على دورة الأخبار.
ثم يتحول تركيز الكتاب عن غزة إلى أوكرانيا، حيث نقابل آنا ساندالوفا، وهي امرأة وأم في أواسط العمر ومديرة تنفيذية سابقة في مجال العلاقات العامة، والتي روعتها حالة المؤسسة العسكرية الأوكرانية الفاسدة التي جعلتها سنوات من الكبتوقراطية جوفاء، ولم تعد قادرة على توفير الضروريات الأساسية لجنودها. ولذلك، تأخذ ساندالوفا على عاتقها مهمة "ملء الفراغ الذي تركته الحكومة". وتشرع في تنظيم أصدقائها على "فيسبوك" لتزويد الجنود الأوكرانيين الذين يحاربون الانفصاليين والقوات الروسية في شرق البلد. وسرعان ما تقوم بجمع الأحذية والدروع الواقية من الرصاص وتقود سيارتها بنفسها إلى الخطوط الأمامية في درجات حرارة تحت الصفر، حيث ينضم إليها باتريكاراكوس في إحدى الرحلات تحت خطر نيران المدفعية، لتقوم بتسليم الإمدادات للجنود. وليست جهود ساندالوفا جديدة تماماً؛ كما يلاحظ الكاتب، فقد عملت "الوكالة اليهودية" سابقاً على جمع الأسلحة وقامت بشحنها سراً إلى الهاغاناة –ميليشيا إسرائيل قبل إنشائها. لكن الفارق بين العامين 1948 و2016، كما يلاحظ باتريكاراكوس، هو أن "الذي ربما كان يتطلب من الوكالة اليهودية أشهراً لتفعله، تستطيع آنا أن تفعله الآن في أيام" بمساعدة شبكات الشتات التي يمكن تفعليها على "فيسبوك" على الفور.
تماماً مثلما حدث مع المراهقة الغزية التي ترسل تغريداتها تحت النار، واجه المواطنون الأوكرانيون الذين يقاتلون عبر "فيسبوك" أيضاً رد فعل من الدولة. وفي هذه الحالة، كانت كتائب المتصيدين Trolls(1) الروسية هي التي واجهت الناشطين من المواطنين العاديين مثل ساندالوفا. ويخبرنا باتريكاراكوس قصة متصيدي الإنترنت الروس الذين ترعاهم الدولة بوصف واحد منهم، والذي عمل في مركز جهود مكافحة الدعاية المضادة خلال المراحل الأولى من الحرب الروسية في أوكرانيا. وبدلاً من تبرير أفعاله، كان هدف الكرملين هو إغراق المنطقة بمعلومات متعارضة و"زرع أكبر قدر ممكن من الارتباك". ولذلك أنشأ المتصيِّد وزملاؤه مدونات ومواقع ألكترونية مزيفة تعرض نفسها على أنها أوكرانية، وتقوم بالنقل عن بعضها البعض –كمصادر موثوقة- ضمن دائرة بمرجعية ذاتية من الأكاذيب. وقد أنتجت هذه المدونات والمواقع سرداً مناقضاً تماماً للواقع على الأرض، والذي استهلكه وتداوله الانفصاليون الموالون لروسيا بحماس في دونيتسك ولوهانسك. ووصف المتصيد منطق عمله بأنه "العثور على الحمقى ومنحهم ما يريدون". ولم يكن معيار تحقيق الانتصار في حرب السرد الروسية الجديدة هو إقناع العدو بموقعه، وإنما زيادة منسوب الشك في كل الأخبار بين السكان المستهدفين، من أجل "إضعاف قدرتهم على التعرف إلى الحقيقة عندما يرونها أو يسمعونها".
يجادل باتريكاراكوس بأن وسائل الإعلام الاجتماعية تمارس قوة جاذبة إلى المركز –بتوحيد الناس وخلق مجتمعات افتراضية جديدة مثل حالة الوطنيين الأوكرانيين الذين تبرعوا لصفحة ساندالوفا في "فيسبوك"- لكنها تمارس أيضاً قوة طاردة عن المركز، والتي تدفع الناس إلى الانفصال، مثل الجيران الأوكرانيين (أو الأميركيين الديمقراطيين والجمهوريين، إذا كان ذلك يهم) الذين يعيشون جنباً إلى جنب، وإنما يسكنون في عوالم متوازية لأن الأخبار التي يتلقونها تأتي من مصادر متناقضة جوهرياً. ويشكل ذلك تجسيداً حرفياً تقريباً لوصف حنة أردنت الكلاسيكي للتربة الخصبة التي تنمو فيها الاستبدادية، حين كتبت في العام 1951: "لقد نجح الإعداد عندما فقد الناس الاتصال مع أقرانهم، ومع الواقع من حولهم أيضاً. إن الموضوع المثالي للحكم الشمولي ليس هو النازي المقتنِع أو الشيوعي المقتنع، وإنما الناس الذين لم تعد لديهم قدرة على التمييز بين الواقع والخيال (أي، واقع الخبرة)، أو بين الحقيقي والمزيف (أي، معايير الأفكار).
يروي كتاب "الحرب في 140 حرفاً" كيف سعت مجموعة من محققي الإنترنت المهووسين إلى شق طريق عبر هذا الضباب من المعلومات المضللة ومقاومة الجهود الدعائية للكرملين في أوكرانيا. وفي القلب من هذا النشاط، ثمة قصة إليوت هيغنز (المعروف أيضاً باسم براون موسيس)، الذي بدأ حياته المهنية الجديدة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو المنشورة عبر الإنترنت في سبيل نشر الأخبار التي سهى عنها الآخرون. وقد اكتشف هيغنز استخدام المجموعات الجهادية أسلحة من يوغسلافيا السابقة، وتحدى إنكار نظام بشار الأسد في أعقاب الهجمات بالأسلحة الكيميائية؛ ثم في تموز (يوليو) 2014، سعى إلى إثبات أن الانفصاليين المدعومين من روسيا والدولة الروسية نفسها كانوا وراء إسقاط رحلة طائرة الركاب التابعة للخطوط الجوية الماليزية، MH17، في شرق أوكرانيا.
كان قد تم إسقاط الطائرة بصاروخ أرض-جو في مناطق الانفصاليين. وأنكرت روسيا تورطها، لكن هيغنز وجماعته من المتطوعين الآخرين شرعوا في تعقب قاذفة الصواريخ والعربة التي تحملها رجوعاً في الزمن باستخدام خرائط غوغل للأقمار الاصطناعية، وباستخدام أدوات حساب ضوء الشمس والظل، وأدلة من الهاتف عبر الإنترنت -وفيما يثير الدهشة، الصور التي التقطتها الكاميرات المثبتة في سيارات السائقين الروس وشاركوها على الشبكة.
ثم، باستخدام إرساليات مجموعة على الإنترنت لأمهات الجنود (والتي أسسها أبوان قلقان من أجل مراقبة التحرش والتنمر في الجيش الروسي)، وجدوا صوراً وفيديوهات أرسلها مجندون غير مرتابين بعمر 18 عاماً وشاركتها أمهاتهم الفخورات، والتي تعرض نفس صاروخ "بوك" الذي شوهد آخر مرة في المنطقة التي أسقطت فيها الطائرة الماليزية. وتعقبوه إلى وحدة معينة في الجيش الروسي وقاعدة عسكرية خارج موسكو. وسرعان ما أنكرت وزارة الخارجية الروسية هذه الصلة؛ وسخرت محطة "روسيا اليوم" الناطقة بلسان الكرملين من هيغنز ووصفته بأنه "عامل مكتب مطرود". لكن المدهش في هذا الشأن، كما يكتب باتريكاراكوس، هو أن "الحكومة الروسية أُجبرت على أن تقاتل على الملأ مجموعة تتكون في معظمها من المتطوعين المدنيين الذين لا يتلقون أجراً... وهي معركة لم تكن ضرورية ولم يكن يمكن تصورها قبل عشر سنوات فقط".
كما يدرك المؤلف جيداً، فإن أسلحة وسائل التواصل الاجتماعية الموصوفة في "حرب في 140 حرفاً" ربما تصبح عتيقة الطراز تماماً وعفا عليها الزمن في القريب العاجل، تماماً كما قد يفعل عنوان كتابه نفسه (بفضل تجاهل "تويتر" التزامه بسرعة النشر بعد دفع الكتاب إلى المطبعة). ذلك أن حرب السرد والمنصات التي تستخدم لخوضها تتطور باستمرار. ولكن، وحتى لو أن تقنيات وسائل الإعلام الاجتماعية تتجاوز سابقاتها وتجعلها عتيقة الطراز على أساس شهري، فإن الأسئلة الأكبر التي يثيرها باتريكاراكوس سوف تظل تطاردنا لسنوات قادمة: كم من اللوم تستحقه شركات التقنية؟ كيف يمكنك مواجهة المعلومات المضللة عندما يكون هدف الدعائيين هو –ببساطة- زرع بذور الشك؟ وإذا لم يكن هدف الحرب إلحاق الهزيمة العسكرية المطلقة بالعدو، كما في حالة روسيا وأوكرانيا، وإنما إقناع السكان المحليين بأنهم يتعرضون للاضطهاد –فما الذي يعرِّف النصر في هذه الحالة؟

*نشر هذا العرض تحت عنوان: For Whom the Cell Trolls

هوامش المترجم:
()1( "اللكزس وشجرة الزيتون: فهم العولمة"، هو كتاب ألفه توماس ل. فريدمان في العام 1999، والذي يفترض أن العالم يمر حالياً بصراعين: الدافع وراء الازدهار والتطوير، الذي ترمز إليه سيارة لكزس ل. س؛ والرغبة في الحفاظ على الهوية والتقاليد، التي ترمز إليها شجرة الزيتون. ويقول إنه وصل إلى هذا الإدراك أثناء تناول وجبة غداء من السوشي على متن قطار الطلقة الياباني السريع بعد زيارته لمصنع سيارات لكزس وقراءة مقال عن الصراع في الشرق الأوسط.

(2) المتصيد أو Troll بالإنجليزية: هو شخص يساهم بتعليقات أو كلام مثير للجدل لا علاقة له بالموضوع الذي يشارك فيه داخل مجتمع للإنترنت؛ والذي يهدف به إلى الهدم والخروج عن الموضوع، وإثارة الجدل والمشاكل بين أفراد ذلك المجتمع عن طريق استمالة عواطفهم وتأليبهم ضد بعضهم البعض، وتحويل بيئة المجتمع من بيئة تكاملية متعاونة إلى بيئة تصارعية متنازعة.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق