الحق في التدين

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

يعد التدين إحدى حاجات الإنسان الأساسية، حتى إن البعض يقدمها على غيرها من الحاجات ويجعلها في أعلى سلم حاجياته؛ لذلك اعتبر الإسلام الدين أحد مقاصده الأساسية وجعله من الضرورات الخمس التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها.
ومما يدل على أهمية هذه الحاجة وقيمتها، أن الناس ينفقون نفيس أموالهم ويضحون بأوقات راحتهم ويتحملون الكثير من الآلام ويعانون العديد من الصعاب من أجل إشباع هذه الحاجة وتحقيق تلك الرغبة؛ حتى وصل الأمر إلى التضحية بالنفس والنفيس فداء للعقيدة ووفاء للدين.
وليس من شك في أن الناس بشكل عام حريصون على عقائدهم ومحبون لأديانهم ومخلصون في الانتماء إليها والتبشير بها، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك عندما نهى عن سب آلهة الكفار التي لم تكن سوى حجارة لا تضر ولا تنفع؛ إلا أنها بالنسبة لأصحابها عقيدة تسمو على كل شيء، ما يجعل الكافر يغضب لسبها وينتصر لها فيسب الله عدوا بغير علم، فقال تعالى: "وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ"، فهذه الآية تؤسس لفهم صحيح وتصور سليم لمكانة الدين عند أصحابه وأتباعه مهما كان هذا الدين وكيف ما كانت طبيعته، لذلك يجب أن تصان الأديان والمعتقدات عن الإساءة أو السخرية أو التحقير؛ لأن ذلك لا يخرج على كونه تحقيراً للمتدين ذاته ولاختياراته الدينية، حتى إن المتدين قد يقبل الإساءة لنفسه ولكنه لا يقبل الإساءة لدينه.
وانطلاقاً من ذلك، نهى الإسلام عن مجادلة غير المسلمين إلا بالتي هي أحسن حتى لا تحصل الإساءة غير المقصودة لمعتقداتهم الدينية، فقال تعالى "وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ".
وبناء على ذلك كله، أقر الإسلام للآخرين حقهم في التدين والتزام العقيدة التي اطمأنت إليها ضمائرهم واستقر عليها وجدانهم، وأعطاهم الحق في ممارسة شعائرها وتطبيق أحكامها، وقد دلت على ذلك الكثير من النصوص القرآنية، ومن ذلك قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"، فالمنفي في هذه الآية هو جنس الإكراه مادياً كان أو معنوياً؛ لأن الإكراه إنما يكون للقيام بفعل أو للامتناع عن فعل، وهذا لا يكون إلا في الأمور المادية، والعقيدة ليست أمراً مادياً لتكون مسرحاً للإكراه أو الإجبار؛ فهي قناعة الإنسان وضميره، وهذه ليس للإكراه عليها من سبيل، بل إن الإكراه عليها لا يزيد الشخص إلا إصراراً وعزيمة، كما أن الإكراه يدل على ضعفٍ في عقيدة المكرِه، فالعقيدة القوية لا تحتاج لإكراه أو إجبار، فقوتها الذاتية وما تحمله من مُثل تغنيها عن الإكراه.
إن الاعتراف بالحق للآخرين في التدين لا يعني إقراره على دينه أو موافقته على معتقده، ولكنه نظرة صائبة لطبيعة الدين ومكانته في الحياة، وقيمته الذاتية عند اتباعه، فالله تعالى يقول: "قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ ديني‏ فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ فالْخاسِرينَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْليهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبين". فالإنسان مخير وهو مسؤول عن ذلك الاختيار.
إننا يوم أن نصادر حقوق الآخرين في التدين نعطيهم المبرر العملي لحرماننا من ذلك الحق، وفي ذلك إساءة إلينا قبل أن تكون إساءة إليهم، لذلك وجدنا القرآن الكريم ينتصر لأولئك الذين حرمهم الطغيان والاستبداد من ممارسة هذا الحق، فقال تعالى: "وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ".
وهذا يدل بلا أدنى شك على أن الدفاع عن حق الإنسان في التدين قيمة دينية راقية، وأن الطغاة والمستبدين هم الذين يصادرون هذا الحق ويعتدون عليه، أما المؤمن فليقينه بقيمة التدين وأثره في النفس الإنسانية لا يفعل ذلك ويقدم عليه، ويغدو من غير المقبول أن يقر دين لأتباعه الحق في التدين ثم يقضي بحرمان الآخرين منه، فهذا الأمر لا يصدر إلا عن جهل بطبيعة الدين وخلل في فهم النفس الإنسانية.
وقد أقر القرآن الكريم الحق في التدين بأجلى صورة وأوضح عبارة، فقال تعالى: "لَكُمْ دينُكُمْ وَلِيَ دينِ"، فالحق بمقتضى هذه الآية ثابت للجميع بلا فرق، وقد وجه القرآن الكريم اتباعه إلى دعوة الناس إلى القيم العليا المشتركة بين الأديان، فإما يستجيبون، وإلا فلهم الحق في ممارسة ما يعتقدون كما هو الحق للمسلمين، فالتدين من حقوق الإنسان الأساسية كحقه في الحياة والتعبير وغيرها، وفي هذا يقول تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".

التعليق