محمد أبو رمان

"جهدك لا يرتاح أحد"!

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2018. 12:10 صباحاً

يروي صديق لي قصة طريفة، لكنّها معبّرة، حينما كان مع عمّه وهو يقود السيارة، وبعد جهد وانتظار، وجدوا موقفاً للسيارة في أحد المتنزهات، وعندما بدأ عمّه بالاصطفاف وجد صديقي (الطفل الصغير حينها)، أنّ سيارة عمّه تأخذ مساحة لسيارتين، فقال له: عمّي يمكنك أن تعيد الاصطفاف لتدع مجالاً لسيارة أخرى، فكثيرون يبحثون عن موقف لسياراتهم. التفت إليه عمّه قائلاً: اسمع مني يا عمي.. جهدك.. جهدك.. لا تخلّي حدا مرتاح!
قد تبدو "الحكمة" غريبة بعض الشيء، وما فائدة أن يكون هدفي إزعاج الآخرين، لمجرّد التضييق عليهم! لكن من يتابع بعض "السلوكيات" في قيادة السيارة في الأردن، يجد أنّ هذه الحكمة هي المعمول بها عموماً، ما يجعل شوارعنا في كثير من الأحيان، كما شبّهها أحدهم بما يحدث في عالم البريّة National Geography!
لعلّ أبرز مثال على ذلك مواكب الأعراس، وهي ظاهرة بالفعل غريبة في الأردن؛ إذ تجد أنّ بعض الظواهر الجديدة في هذه المواكب تتمثّل بتفنن المشاركين فيها بإغلاق المسارب كافّة لمنع أحد من تجاوز الموكب، أو الوقوف عند الإشارة المرورية بالعرض، والنزول من السيارات والرقص والغناء، حتى تتغيّر الإشارة، بينما يضطر الآخرون إلى انتظار نهاية المهرجان، من دون أدنى شعور بما يسببه ذلك من مشكلات وإزعاج، وربما هنالك حالات طارئة لا تنتظر التأخير، ذلك كلّه لا يهم بما أنّ القاعدة "جهدك لا تخلّي حدا مرتاح"!
من الأمثلة الأخرى الغريبة هي تلك السيارات التي تتجاوز طابوراً كاملاً من سيارات أخرى -تنتظر فتح الإشارة المرورية أو القيام بحركة التفاف- لتتقدم إلى الأمام، بما يغلق مسارات أخرى من السير، للسيارات القادمة بالاتجاه المعاكس أو باتجاهات مختلفة، وما هي إلاّ دقائق حتى يدخل الجميع في "معضلة مرورية" في محاولة لتحريك بعض السيارات لتمرير أخرى، وهكذا في بعض الحالات يتحول بعض المتطوعين لحل المعضلات إلى "عقول فيثاغورسية" بحثاً عن حل لمشكلة لم تكن لتحدث لو أنّ الجميع التزم في مساره!
في حالات أخرى منتشرة، أيضاً، هناك من يتفنن في الوقوف في شارع ضيّق يتبادل الحديث مع الآخرين أو ينتظر شخصاً، أو يبحث عن محلاّت ويسير ببطء، فيعطّل حياة أناس آخرين كثيرين، بلا سبب، وكان يمكن أن يقف مثلاً على جانب الشارع، ولا يحدث ذلك الإزعاج والعطل للكثيرين، لكن بما أنّ القاعدة "جهدك.. لا تخلّي حدا مرتاح" فما يقوم به يشعره بالسعادة والراحة!
لا أعرف لماذا لدينا، في الأردن (ولاحظتها في مصر أيضاً)، تشعر أنّ هنالك صراعاً مريراً تاريخياً وأزلياً في الشوارع، بين السائق والمشاة على الطريق؛ فإذا لمح بعض السائقين مشاة يريدون قطع الشارع يزيدون من سرعة السيارة، وكأنّ هنالك سباقاً بين الطرفين، والعكس صحيح، وهو ما لاحظته بنفسي عندما أتوقف لأترك مجالاً لبعض المشاة كي يعبروا يمشون ببطء شديد، يتحدثون بالهاتف، ولا يبالون بصفّ كبير من السيارات ينتظر..
هل يمكن أن نراجع سلوكنا في قيادة السيارات، وأن نحسّن من حال شوارعنا، ولا نجعلها تبدو كالجحيم أو ساحة الحروب أو عالم الغاب، وهل يمكن أن نبدأ بعملية النقد الذاتي هذه إعلاء القيم الأخلاقية البديلة لفلسفة.. (جهدك ما تخلّي حدا مرتاح)!

التعليق