حركة الشباب العالمية الجديدة

تم نشره في السبت 14 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً

غوردون براون*

لندن  -  ألهمت "المسيرة من أجل حياتنا" الأخيرة في الولايات المتحدة الملايين، وليس فقط في الولايات المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم أيضا. وقبل المظاهرات التي جرت في جميع أنحاء البلاد في 24 آذار (مارس)، اعتقد معظم الناس أنه لا يوجد الكثير الذي تمكن إضافته إلى المناقشة حول عمليات القتل الجماعية باستخدام الأسلحة النارية -التي لا نهاية لها على ما يبدو.
مع ذلك، فإن الطريقة الشجاعة والمؤثرة التي أعلن بها شباب العالم، على الرغم من ألمهم ومعاناتهم، أن القرارات المتعلقة بقوانين السلاح والمدارس الآمنة هي ذات أهمية بالغة بحيث لا يمكن تركها للبالغين الذين خذلوهم، قد أعادت تشكيل المشهد السياسي، وربما بشكل دائم وأساسي.
ليست الثورة التي يقودها الشباب موجودة في أميركا وحدها. ففي جميع أنحاء العالم، أصبح الشباب قوة مستقلة. ويشارك الآن ملايين الشباب في الكفاح من أجل الحقوق المدنية في عصرنا -النضال من أجل حق كل طفل في الذهاب إلى المدرسة وهو آمن.
في الهند، جمعت المسيرة العالمية لمناهضة عمالة الأطفال مئات الآلاف من الشباب، الذين قطعوا ملايين الأميال للمطالبة بإنهاء عمل الأطفال وضمان حقهم في الذهاب إلى المدرسة.
وفي بنغلاديش، في منطقة نيلفاماري النائية، دفعت آلاف الفتيات حركة "منتهكي حفلات الزفاف" من أجل إقامة "مناطق خالية من زواج الأطفال"، وهي مستوحاة من حركة "الفتيات لسن عرائس". وعلى الرغم من التهديد والضرب والقتل في بعض الأحيان، اتحدت تلميذات المدارس وقمن بتحدي آبائهن وأمهاتهن لمنع الزواج القسري الذي من شأنه أن يقضي على طفولتهن ويحرمهن من التعليم. وفي نيجيريا، قامت مجموعة الشباب المؤيدين للتغيير بمسيرة عبر العاصمة أبوجا في العام 2015 للمطالبة بمدارس آمنة تحميها الشرطة والجيش ضد المتطرفين الإرهابيين من بوكو حرام (الذي يعني اسمها "التعليم الغربي خطيئة").
والصورة واضحة للغاية: إننا في خضم نضال عالمي من أجل الحرية. ومن ذلك فتيات يتظاهرن في الهند ضد تقاعس الشرطة عن التعامل مع الاعتداءات الجنسية؛ طلاب باكستانيون يتظاهرون في لاهور بعد هجوم حركة طالبان الأخير على المدارس؛ شباب يدعمون اللاجئين في شوارع عاصمة الكاميرون، ياوندي؛ وتظاهر الطلاب اليمنيين ضد الحرب التي دمرت مئات المدارس وتركت مليوني طفل بلا تعليم.
اشتدت وتيرة الاحتجاجات العالمية للشباب هذا العام. ففي كانون الثاني (يناير)، احتج 40 مليون طفل وبالغ في الهند على زواج الأطفال من خلال تشكيل سلسلة بشرية تمتد لأكثر من 8000 ميل، عبر العديد من قرى ولاية بيهار. وفي شباط (فبراير)، أُطلقت النار على طلاب بيروفيين في ليما وهم يتظاهرون ضد ما أسموه "قانون عبودية الشباب"، الذي ينص على توظيف الطلاب في برامج تدريبية غير مدفوعة الأجر. وخرج الآلاف من الطلاب إلى الشوارع في هندوراس والهند احتجاجا على ارتفاع تكاليف التعليم العالي.
تعكس هذه الحركات الجديدة عصرنا الرقمي الحالي، حيث يمكن للشباب التواصل بشكل متزايد مع بعضهم البعض في بلدانهم وعبر الحدود. وبذلك، يكشفون عن الفجوة بين الفرص الواعدة والواقع المرير للفرص غير المتكافئة -خاصة بالنسبة للفتيات، اللواتي تشكلن الغالبية العظمى من حوالي 260 مليون طفل في جميع أنحاء العالم لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة، وغالبية 400 مليون طفل ينهون دراستهم بعمر 11 أو 12 سنة. وفي واقع الأمر، يغادر نصف أطفال العالم -حوالي 800 مليون- المدرسة من دون تلقي أي مهارات ضرورية لإيجاد عمل في المستقبل. ويُجبر العديد منهم قبل سنوات من بلوغهم سن التخرج الرسمي على العمل كأطفال، أو الزواج وهم أطفال، أو حتى الاتجار بالأطفال.
ترمز رسالة الشباب الجديدة المتمثلة في التحدي والأمل في التغيير الحقيقي إلى الطلب الاضطراري لإجراء بيئي الذي طالبت به فتاة تبلغ من العمر 12 سنة وتدعى سيفيرن كوليس سوزوكي، في مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو في العام 1992. وقد جعلت كلمة كوليس سوزوكي السكون يخيم على القاعة المليئة بالدبلوماسيين –وقامت بإعادة عالم متشكك إلى رشده- عندما قالت أن البيئة مهمة جدا وحمايتها مسؤولية الكبار. ولا يجب أن نسمح للجيل القديم، بعد أن فشل في توفير بيئة مستدامة، بتدمير فرص الجيل القادم.
وتأتي رسالة أكثر قوة من الشباب اليوم: أن حقهم في التعليم مهم للغاية، ولا يجب أن يعهد به إلى الكبار الذين فشلوا في توفيره.
منذ ما يقرب من قرن مضى، قالت إغلانتين جيب، التي أسست منظمة "أنقذوا الأطفال"، أن اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع هي بكاء الطفل. لكن صرخات الأطفال غالباً ما يتم تجاهلها، وحتى الأكثر تقدمية بيننا تصرفوا كما لو أن الأطفال مراقبون صامتون، وهم مرئيون ولكن لا يمكن سماعهم، وهذه اتجاهات سلبية من فعل أيدينا. وعلى مدى قرن من الزمان، ما تزال صورة الأطفال العاجزين الذين يتوقعون الحماية والتعاطف راسخة في الأذهان، لكن الصورة التي سيتذكرها الجيل القادم ستكون مختلفة بشكل جذري. ما دام الشباب يتواصلون مع بعضهم البعض ويدافعون عن حقوقهم، فإن صرخاتهم لن تكون مجرد نداءات دامعة تستجدي المساعدة بقدر كونها مسيرات شجاعة للمطالبة بالعدالة.
في الأيام القليلة القادمة، سوف يقدم الشباب الباكستاني، حيث سبعة ملايين طفل في سن الدراسة ليس لديهم فرصة للالتحاق بالمدرسة، عريضة تطالب بالحق في التعليم. وسيتم دعم طلبهم في قمة مجموعة العشرين التي ستعقد في الأرجنتين في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، عندما سيطالب 700 من سفراء الشباب العالميين من 90 دولة، من خلال مؤسسة "ذي وورلد" الخيرية، قادة العالم بدعم مرفق التمويل الدولي الجديد للتعليم -وهو صندوق بالمليارات مخصص لمساعدة جميع الأطفال على الذهاب إلى المدرسة.
هذه لحظة مهمة -تقوم بإلهام وتأديب أولئك منا الذين كانوا أطفالاً خلال الثورة الثقافية في الستينيات، التي فشلت في الوفاء بوعدها. والآن، تجاوزتنا حركات جديدة ذات إمكانيات عالمية أكبر بكثير لصالح الجميع. ولم يتم تمرير الشعلة إلى الجيل الجديد، وإنما على الجيل الجديد أن يأخذها بيده. وهم يستحقون دعمنا.
*رئيس الوزراء ومستشار الخزانة البريطانية البريطاني الأسبق، هو المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي ورئيس اللجنة الدولية لتمويل فرص التعليم العالمية. يرأس المجلس الاستشاري لمؤسسة Catalyst.


*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق