الجنود الأميركيون في سورية أروني شيئاً لا يفهمه ترامب

تم نشره في السبت 14 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • جندي أميركي في عربة مدرعة بالقرب من منبج، شمال سورية – (أرشيفية)

ديفيد إغناتيوس – (الواشنطن بوست) 2018/4/5

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أحد أوجه الحرب السورية التي لا يراها الأميركيون في كثير من الأحيان، هو الطبيبة المختصة في جراحة الإصابات في الجيش الأميركي، بينما تقف تحت شمس منتصف النهار على أطراف الرقة، لتأخذ استراحة قصيرة من مناوبتها شبه المستمرة في غرفة العمليات حيث تعالج السوريين الذين تحطمت أطرافهم بفعل القنابل والشِّراك الملغومة.
الطبيبة ضابط برتبة مقدم وتخدم في قوات العمليات الخاصة الأميركية، وبموجب القواعد الأساسية لرحلتي التي استغرقت أربعة أيام إلى سورية في شباط (فبراير) الماضي، لا يُسمح لي بأن أذكرها بالاسم. وهي امرأة أنيقة صافية العينين، تتحدث بصوت هادئ وحازم وبقناعة عن عملها الذي يوجعُ قلبك عندما تستمع إلى حديثها عنه.
تحاول المقدم إعادة تجميع الأجساد المحطومة معا مرة أخرى كلَّ اليوم، كلَّ يوم. وعندما تحدثت معها، كانت هي الطبيب الجراح الوحيد صاحب الخبرة في جراحة الإصابات في المنطقة، مما عنى أن جميع الحالات الأكثر سوءا جاءت إليها. ووصفت العمل على محاولة تجميع الأطراف الأربعة جميعا لبعض السوريين المصابين بجروح خطيرة. وتذكَّرَت يوما مروعا بشكل خاص عندما تم إحضار تسعة أطفال مصابين إلى غرفة عملياتها في نفس الوقت.
مرضاها كلهم تقريبا من المدنيين السوريين الذين شوهوا بسبب العبوات الناسفة المفخخة والقنابل المخبأة بينما كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم بعد تحرير الرقة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بعد قتال دموي ضار من منزل إلى منزل، خاضته قوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد وحلفاؤها الأميركيون. وتقول المقدم أنها تتعامل عشرات المرات في الأسبوع مع حالات أناس "على أعتاب الموت"، لكنها تشير إلى أنها تتمكن من إنقاذ حياة 95 في المائة من مرضاها.
وإليكم الحقيقة الأكثر إثارة: إن هذا الجرَّاحة العسكرية ممتنة لفرصة وجودها هناك في سورية، للمساعدة في إعادة تجميع أطراف الناس وبلدهم مرة أخرى. وتقول: "في الولايات المتحدة، إذا لم أكن أذهب إلى عملي في أحد الأيام، فإن شخصا آخر سيقوم به. إن قيامك بعمل ما تدربت على عمله، والمساهمة في شيء أكبر منك أنت، هو شيء مهم للغاية. إنه لشرف لنا أن نكون هنا".
المقدم هي جزء من المهمة الأميركية في سورية، والتي يبدو أن الرئيس ترامب قد قرر إنهاءها. وبالتأمل في خبرة الطبيبة الجراحة وعشرات الجنود الأميركيين الآخرين الذين قابلتهم خلال ثلاث رحلات قمت بها إلى سورية منذ العام 2016، لا يسعني سوى التفكير في أن ثمة شيئا في هذه المهمة -التي كانت منخفضة التكلفة وشكلت نجاحا كبيرا، وفقا للقادة العسكريين- والذي لا يفهمه ترامب.
لذلك، وقبل أن تبدأ القوات الأميركية بالعودة إلى الوطن، إليكم بعض الاسكتشات التي يضمها دفتر ملاحظاتي، والتي رُسمت خلال رحلتي الأخيرة إلى سورية قبل شهرين.
دعونا نبدأ بقائد القوات الأميركية في سورية. كان يعمل مع الأكراد السوريين منذ ما يقرب من أربع سنوات، منذ معركة كوباني (عين العرب) في تشرين الأول (أكتوبر) 2014. وفي تلك المعركة، رأى القادة العسكريون الميدانيون الأميركيون أن الأكراد كانوا مستعدين للقتال والموت ضد "داعش". وكان الذي تكون بعد ذلك هو أخوة المعركة والسلاح.
يقود القائد سيارتنا بنفسه على طريق مبقع بالحفر والأخاديد بالقرب من موقع خط المواجهة خارج مدينة منبج في شمال سورية. ويبدو أنه يعرف كل منحنى ونتوء في الطريق، كما أنه يتحدث العربية أيضاً. لقد عاش هذه الحرب. وعندما سألته كيف يمكن أن تتواءم أجزاء هذه الأحجية السورية لاحقا في نهاية المطاف، أجاب: "ما مِن جواب عسكري عن هذا السؤال".
نحن الآن في ساتر رملي مقام على الجبهة الشرقية، بالقرب من شدادي؛ وتختفي قوات "داعش" على بعد حوالي ميلين. وتشغل القوات الأميركية وقوات سورية الديمقراطية تحيصنا بسيطا مؤقتا، يعلوه موقع مراقبة محمي بسقف من الصفيح وبعض السجاد الشرقي. وفي الأسفل ثمة خندقان لاعتراض وإيقاف السيارات المفخخة.
بينما نغادر، أتحدث مع رقيب جاء إلى هنا مرافقا مع أحد القادة. وهو أكبر سنا من معظم الجنود الآخرين الذين يمزحون ويقولون أن من الخطر أن يكون المرء بالقرب منه، لأنه مغناطيس جاذب للرصاص. لديه أربعة من أوسمة "القلب الأرجواني"، والتي نالها كلها في العراق، وستة من أوسمة "النجمة البرونزية". أسأله كيف أصيب. يتوقف، ويحك رأسه وكأنه يفكر. كان أحدها بقذيفة هاون، وآخر كان بقنبلة يدوية، والثالث كان في القتال المباشر عندما هاجمه رجل يرتدي زي امرأة، وكان الرابع عندما أصابه الرصاص أثناء ركوبه في طائرة هليكوبتر.
لماذا يستمر في العودة إلى هذه الحرب في انتشار بعد آخر؟ يصمت برهة، غير متأكد من كيفية الرد، ثم يقول ببساطة إنه محظوظ بخدمة بلده.
أطير خارجا من سورية على متن طائرة شحن عسكرية من طراز C-130. ويجلس بجانبي ضابط شاب منزعج من وجوده في هذه الرحلة، لسببين: أنه ذاهب إلى الوطن لرؤية والدته، وهي مريضة للغاية؛ وأنه يغادر رفاقه في ساحة المعركة قبل أن ينتهي القتال. وهو يكره هذه الفكرة الأخيرة. وكذلك يجب أن نفعل، جميعا، أيضا.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: American soldiers in Syria showed me something Trump doesn’t understand

التعليق