الحرب التجارية على فقراء العالم

تم نشره في الأحد 15 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • أطفال يعانون من تبعات الفقر في القارة الأفريقية-(أرشيفية)

بيورن لومبورغ*

تظهر الإحصائيات والأبحاث، أن تزايد الانفتاح على التجارة يرتبط بمعدلات أقل لوفيات الرضع وبزيادة متوسط العمر المتوقع، وخاصة في الدول النامية. ومع مرور الوقت، فإن التجارة الحرة تمكِّن العمال من التحول إلى صناعات أكثر فعالية، مما يؤدي إلى أجور أعلى وزيادة في الاستثمار في البنية التحتية وفي تكوين اقتصاد أكثر دينامية. والأهم من ذلك كله هو أن التجارة الحرة تعكس النمو الاقتصادي، والذي يعني انتشال المزيد من ملايين البشر من براثن الفقر.
*   *   *
براغ - التعريفات الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مؤخراً، على الصلب، جعلت من إمكانية وقوع حرب تجارية أكثر احتمالاً بالتأكيد. وقد حذر الاتحاد الأوروبي من أنه يمتلك في متناول يديه "ترسانة كاملة من الإجراءات التي يمكن استخدامها في الرد"؛ بينما هددت الصين بـ"رد عادل وضروري".
كما عبر الاقتصاديون والسياسيون والشخصيات العامة جميعاً، عن مخاوفهم من الخطر الذي تشكله الحواجز التجارية التي يتم فرضها بطريقة ثأرية. لكن من الحكمة عدم الاستخفاف بالضرر الكبير الذي قد ينتج عن ذلك. ولا تأخذنا الحواجز الجديدة التي تحد من التجارة الحرة في الاتجاه الخاطئ فحسب، وإنما تقوض كذلك أفضل فرصة لإحداث نقلة نوعية في حياة المليارات من الناس الأكثر فقراً حول العالم، وتحول دون تحقيق فوائد بقيمة تريليونات الدولارات في كل عام.
من المنطق القول إن هناك ثمنا لحرية التجارة. والكثير من المشاعر التي يعبر عنها القادة السياسيون اليوم -والتي تتشابه إلى حد كبير مع الأسباب الكامنة وراء الاحتجاجات الضخمة المعادية للتجارة في التسعينيات- تعكس حقيقة أن كل صفقة تجارية إنما تكلف بعض الناس وظائفهم، وأن البعض من هولاء لن يجدوا عملاً آخر.
في العادة، تتركز التأثيرات السلبية في مناطق صناعية وجغرافية محددة (مثل منطقة حزام الصدأ الصناعية في الولايات المتحدة الأميركية)، والتي يكون التصنيع فيها أكثر كلفة وأقل فعالية مقارنة بدول أخرى، علماً بأنه طبقاً لإحدى الدراسات، فإنه لو تم حساب تكاليف جميع تلك التأثيرات، فإنها لا تشكل في واقع الأمر أكثر من خمس المنافع الإجمالية من التجارة.
ولكن، في حين يجب أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار، فإنه يشكل مجرد جزء صغير فقط من المشهد العام. ولعل أفضل مكان لمعرفة فوائد التجارة الحرة هو الأسواق والمحلات التجارية في العالم، حيث يجد المستهلكون في نيروبي أو شنغهاي أو بطرسبرغ أو لشبونه أو ملبورن مجموعة واسعة جداً من البضائع بأسعار أرخص، والتي لا يمكن أبداً أن ينتجها بلد واحد بمفرده.
تعمل هذه الواردات الأرخص ثمناً على التخفيف من الضغط التضخمي. وهناك تقديرات في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تقول إنه في مقابل كل 1 % من حصة السوق التي يتم اكتسابها بسبب الورادات من منتجين قليلي التكلفة مثل الصين، فإن الأسعار تنخفض بمقدار 2 %.
تعني الأسعار الأرخص أن قيمة نقودنا تصبح أكبر. وحسب تقرير صدر في العام 2015 عن البيت الأبيض، فإن بإمكان الأميركيين من الطبقة الوسطى شراء 30 % أكثر مقابل نقودهم مقارنة بوضعهم لو لم تكن هناك تجارة حرة، علماً بأن هذا يعزز القوة الشرائية -خاصة لنسبة العشر الأكثر فقراً من المستهلكين الأميركيين الذين بإمكانهم شراء ما نسبته 60 % أكثر مما يمكنهم تحمل نفقاته. وسوف تكون الطبقة الأميركية العاملة التي تم تقديم الوعود لها بالاستفادة من الحواجز التجارية، هي الأكثر تضرراً من الحرب التجارية.
لكن فوائد التجارة الحرة هي أعم وأشمل بكثير من قدرتنا على شراء الإجهزه والأغذية الأرخص. فعلى المستوى العالمي، تشكل التجارة الحرة أقوى أداة للتنمية على الإطلاق. ذلك أن التجارة الحرة عبر الحدود تقلل من التفاوت في الدخل. وعلى سبيل المثال، وجد تقرير البيت الأبيض لسنة 2015، أن انخفاض الجمارك بنسبة عشر نقاط مئوية يؤدي الى انخفاض بنسبة نقطة مئوية واحده في الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء؛ وأن تخفيض التعرفات الجمركية كذلك يخفض من الفجوة في الأجور القائمة على أساس العرق والهجرة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تزايد الانفتاح على التجارة مرتبط بمعدلات أقل من وفيات الرضع وزيادة متوسط العمر المتوقع، وخاصة في الدول النامية. ومع مرور الوقت، فإن التجارة الحرة تمكن العمال من التحول إلى صناعات أكثر فعالية، مما يؤدي إلى تلقي أجور أعلى وزيادة في الاستثمار في البنية التحتية وفي اقتصاد أكثر دينامية. ولعل الأهم من ذلك كله هو أن التجارة الحرة تعكس النمو الاقتصادي، والذي يعني انتشال المزيد من ملايين البشر من براثن الفقر.
يخشى البعض أن فوائد النمو الاقتصادي تصل إلى فئة قليلة من الاوليغاركية. ولكن، على الرغم من كل هذا الكلام عن انعدام المساواة والخوف من أن فوائد النمو لن تشمل الجميع، تظهر أبحاث البنك الدولي أنه عندما تنمو الاقتصادات، فإن دخل الأسر الفقيرة يرتفع بما يتناسب مع النمو الإجمالي للدخل.
ويظهِر التاريخ الحديث فوائد فتح الاقتصادات للتجارة الحرة؛ حيث من المدهش أنه في السنوات العشرين الماضية، انخفضت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع إلى النصف تقريباً. وكما أشار الاقتصادي في جامعة أكسفورد، ماكس روسر، فإن بإمكان الصحف نشر هذا الخبر ضمن عناوين الصحف الرئيسية كل يوم خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، وهو: "لقد انخفضت نسبة الناس الذين يعيشون في فقر مدقع بمعدل 137.000 شخص".
إن الموضوع ببساطة هو أن التجارة الحرة تحقق خيراً أكثر للكرة الأرضية مقارنة بأي سياسة أو برنامج أو مشروع منفصل في أي مكان. والمأساه الحقيقية -حسب الوقائع الحالية- هو أن العالم يبتعد عن مستقبل أكثر حرية وازدهاراً.
ترى الأبحاث التي أطلقها مركز الأبحاث التابع لي "مركز توافق آراء كوبنهاغن"، أن إكمال جولة الدوحة لمحادثات التجارة الحرة العالمية -وهي احتمالية كانت ممكنة قبل بضع سنوات وأصبحت تبدو الآن مستحيلة- سيخفض عدد الناس الذين يعيشون حياه فقيرة بمقدار 145 مليون إنسان خلال خمسة عشر عاماً، وتجعل العالم أغنى بمقدار 11 تريليون دولار. وسوف تذهب ثلاثة أخماس هذه الثروة إلى الدول النامية -أي ما يوازي ألف دولار إضافي لكل شخص في كل عام بحلول العام 2030. وحتى لو تآكل خمس تلك الفوائد بسبب تكلفة إعادة التوزيع، فسوف تظل هناك فوائد بقيمة 9 تريليونات دولار للبشرية جمعاء.
لذلك، يتوجب على الحكومات أن تعمل بكل الوسائل الممكنة على إنفاق المزيد من أجل مساعدة الخاسرين من صفقات التجارة الحرة، وذلك من خلال التدريب على العمل والرعاية الاجتماعية الانتقالية. لكن تجاهل 9 تريليونات دولار من الفوائد بسبب أضرار قيمتها تريليونا دولار يبقى شأناً لا معنى له على الإطلاق.
كان المؤرخ البريطاني توماس ب ماكاولي، لاحظ في العام 1824 "أن التجارة الحرة، التي تعد من أعظم المزايا التي يمكن أن تمنحها الحكومه لشعوبها، لا تتمتع بالشعبية في كل البلدان تقريباً". ومنذ العام 1820، انخفض الفقر العالمي من 94 % من البشرية إلى أقل من 10 %، فيما يعود إلى حد كبير للتجارة الحرة. ولكن، حتى في يومنا هذا، فإن لوم التجارة الحرة يتمتع بالشعبية إلى درجة أن إدارة ترامب تبدو جاهزة للإضرار بواحدة من أفضل السياسات التنموية. ويجب لهذا أن يتوقف. ولا يجب السماح للخسائر الصغيرة نسبياً بسبب التجارة، والتي يمكن تعويضها بسهولة، بأن تتغلب على الفوائد العظيمة التي تجلبها تلك التجارة.
*أستاذ زائر في كلية كوبنهاجن لإدارة الأعمال، هو مدير مركز إجماع كوبنهاجن، الذي يسعى إلى دراسة المشاكل والحلول البيئية باستخدام أفضل الأساليب التحليلية المتاحة. وهو مؤلف كتب "حماة البيئة المتشككون"؛ و"اهدأ: كيف تنفق 75 مليار دولار لجعل العالم مكانا أفضل"؛ و"دليل الحائزين على جائزة نوبل لأهداف أذكى للعالم". اختارته مجلة "تايم" كإحدى أكثر 100 شخصية مؤثرة العالم.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق