التمني يرمم إحباطات الحياة

تم نشره في الاثنين 16 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • أولئك الذين يخشون الإحباط لديهم فرصة اختيار ما يناسبهم من البدايات- (ارشيفية)

ربى الرياحي

عمان- إحباطات الحياة كثيرة لا تستثني أحدا مطلقا حتى وإن بدت عابرة غير منصفة، إلا أنها تتعمد باستمرار إغلاق المنافذ المؤدية للتحدي والإنجاز، محاولة بذلك تقييد الكثيرين ممن تعلقوا حقيقة بالأمل وبتلك الأمنيات المرهونة هناك بالقرب من تخمينات أشبه ما تكون بالوهم المبدد لليأس ولأشياء أخرى تشترك في إرساء قواعد الخوف من المجهول.
هم يعون جيدا أنه ليس بإمكانهم سوى اللجوء للتمني لوقف الاعتداءات المتكررة على تفكيرهم أولا ومن ثم على مشاعرهم المتدفقة التي تسمح لهم بأن يبقوا متوهجين يجذبهم الضوء نحوه مع التركيز على الإيمان بشيء قد لا يبدو لهم واضحا، لكن في المقابل يزيدهم ذلك الإحساس غموضا ويجعلهم أقدر على التمسك بسياسة التمني وإيقاد الرغبة داخلهم لكونها تمتلك سر مواجهة كل الأسباب الداعية للإحباط والتخاذل وربما أيضا التخلي عن تلك المشاريع الكبيرة التي لطالما خططوا لها وحشدوا كل الإمكانات من أجل أن تغدو حقيقة ترضي تطلعاتهم غير معترفين بالمستحيل وبما قد ينتج عنه من مصادرة لحقهم في الإقبال على الحياة.
إن قدرتهم على خلق مساحات تتسع لأمنياتهم المتجددة والباعثة على تجاوز جميع الآلام هي في واقع الأمر قرار منطقي وواضح يمكنهم حتما من مجاراة تلك الطاقة الملهمة التي يبقون مسكونين بها طوال الوقت باحثين عما يسعدهم ويخرجهم من مأزق التعثر والإخفاق، باعتبار ذلك الحل الأنسب لهم ولتصوراتهم المتعددة التي يحاولون من خلالها تلمس إمكاناتهم الذاتية ورغبتهم المتجذرة في الحلم والتمني وملاحقة الأمل حتى لو كان بعيدا أو مستحيلا. هي تمنيات قد تنطوي في الغالب على رغبات مكبوتة لم يستطيعوا تحقيقها أو حتى المجاهرة بها. لذا فإن افتقادهم مهارة التمني وغياب ذلك الإلحاح في ضرورة ترميم دواخلهم يشعرهم بالتأكيد بالقهر والوجع لأنهم حين يلتصقون بأمنياتهم تلك تصبح الحياة في أعينهم أكثر اتساعا ويستطيعون أيضا التعايش مع مستجداتها اليومية وتقلباتها بمعزل عن التعقيدات.
هذا تماما ما يفسر قدرة البعض على تغيير واقعهم المؤلم وظروفه القاسية القامعة لطموحاتهم. هم بتقديرهم لأهمية التمني سيعرفون حتما كيف ينتصرون على كل المشاعر المكبوتة داخلهم. هؤلاء تحديدا سيظلون مشتعلين بالحلم يقاومون لحظة الانطفاء أو الاستسلام للخسارة لمجرد أنهم يصرون على ترجمة كل ما يتمنونه ويرونه ممكنا. البدايات جميعها في المجمل تستند لفعل التمني الذي يمنحهم وعن جدارة تلك الطاقة المتغيرة الدافعة للابتكار والإبداع.
الكثيرون ممن يتمنون تجذبهم فكرة التعلق بالأشياء غير الموجودة أو غير المتاحة بين أيديهم. إنهم يتمنون كثيرا ما يفتقدونه وما هو ليس بحوزتهم. هم أيضا يرفضون التخلي عن أمنيات تأبى أن تلازمهم أن تكون محفزا لتطورهم، وسعيهم نحو الأفضل. احتفاظهم بها يأتي من إيمانهم بتأثيرها الكبير على حياتهم وجعلهم يكتشفون أن هناك معنى آخر لوجودهم عجزوا عن أن يستوعبوه، وأبواب ما تزال مغلقة تحتاج لأن يطرقوها متفائلين محملين بالأمنيات التي وإن لم تكن واقعية بعض الشيء، إلا أنها كفيلة بأن تحميهم من مخاوفهم وتحصنهم ضد الإحباطات المتتالية. كما أن عملية التمني هذه تتيح لأولئك الذين يخشون الإحباط فرصة اختيار ما يناسبهم من البدايات وكذلك تمكنهم من امتلاك لغة التواصل مع اندفاعاتهم حتى يكون بمقدورهم التغلب على العثرات التي قد تستهدفهم وتمنعهم من ممارسة ذلك الانتظار الملهم لغد أجمل.

التعليق