ساعتان مع مُهنا الدرّة

تم نشره في الاثنين 16 نيسان / أبريل 2018. 12:04 صباحاً

نهاية الأسبوع الفائت، أمضيت ساعتين في ضيافة الرسام الكبير، مهنا الدرة، في بيته وفي مرسمه. كنت سعيدا بذلك، ففي مهنا الدرة، يجتمع الفن والذكاء والدفء والثقافة وخفة الروح واللغة التي تشبه الشعر إلى أن يفاجئك بمفردات شعبية (شوارعية) تعيدك إلى الواقع غير الشاعري عادة.
مهنا الدرة، هو اليوم في الثمانين، وهو أول من درس الرسم من الأردنيين، وفي إيطاليا؛ البلد الأشهر في هذا المجال، وقد حاولتُ معه التركيز على معنى أن يختار طالب أردني دراسة الرسم قبل سبعين عاماً.
يقول مهنا، إنه لا يتذكر يوماً لم يكن فيه يرسم، وليس عنده تاريخ محدد لبدء شغفه بالرسم، لكنه كان صبوراً ومقاوماً في سبيل الفن، فهو ابن عائلة متعلمة، من أصول لبنانية، كما يتقن "الكركية"؛ حيث عاش جزءا من طفولته في الكرك. والده هو المرحوم سعيد الدرة، التربوي المرموق، الذي أصبح لسنوات، وكيلا لوزارة المعارف/ التربية (أي أمينا عاما). ولم يكن الأب يريد لابنه أن يكون رساماً، وحتى بعد أن غادر للدراسة، كان الأب يقول بأسى لمن يسأله: "مهنا يدرس دهّين!".
مع هذا، فقد استثمر مهنا مهنة والده، ولكن على طريقته، فقد مكنته مهارة الرسم من إتقان "التزوير الظريف"، فقد كان يستل أوراقاً "مروّسة" باسم الوالد، ويكتب فيها طلباً بالسماح للطالب مهنا بالمغادرة لأمر ضروري! وكان يتقن توقيع الوالد، فيصدقه المدير الذي لم يكن يعلم أن الأمر الضروري هو عادة حضور فيلم سينما!
لكن مهنا استخدم مهارته تلك ذات مرة في أمر أخطر، فقد كتب كتاباً موقعاً من الوالد يطلب فيه الانتقال مع أخيه الأصغر يسار إلى مدرسة أخرى، فيستجاب للطلب، ولكن تشاء الصدف أن يزور الوالد (وكيل الوزارة) مدرسة ولديه زيارة رسمية، وفي الأثناء يسأل عنهما فيعرف ما جرى، ثم يعرفان هما بما جرى، فيهرب الصغير إلى صندوق خشبي يتبعه مهنا ويختبئ فوق أخيه، ليتلقى الضرب بينما يصيح الصغير في الأسفل.
حدثني باسترسال حيناً و"بتقطيش" حيناً آخر، عن يوميات الرسم والمشاكسة و"جرجرة" الدراسة، وعن نجوميته بين الزملاء بسبب رسمه للمعلمين بطريقة فكاهية فيسهم في تلبية رعونة الزملاء! ويأتي من يقنع الوالد بالاستجابة لرغبة الابن. إنه المرحوم قدري طوقان، مدير مدرسة النجاح الشهيرة في نابلس، الذي يصطحب الفتى مهنا ابن الخامسة عشرة حينها إلى السفارة الإيطالية، وكان على والد مهنا ليس فقط أن يقتنع بل أن ينفق على ابنه "الدهين"!.
يسرح مهنا وهو يتحدث متعاطفاً مع "تناقضات" الوالد، الذي كان يشتري له الألوان والكتب حيناً، ثم يعاقبه عند الغضب بحرمانه منها، كان وكيل الوزارة قلقاً ولكنه قبل ذلك كان أباً.
يسافر مهنا إلى إيطاليا، وقبل ذلك يستعد للامتحان "المُخْجِل"؛ فقد كان على الطالب أن يرسم أجساداً شبه عارية!
يكمل مهنا في إحدى المدارس الدولية في روما ما يعادل الثانوية، ثم يلتحق بدراسة الرسم. ثم يعود لبلده مجددا، إلى الكفاح في سبيل الفن والرسم.
لم تكن "صنعة الرسم" مفهومة في المجتمع، وهنا يقول مهنا: "اهتديت إلى طريقة تجعل الناس يحسون بمعنى الرسم، وبدأت برسم الوجوه البدوية، التي ضربتها أشعة الشمس وتتميز بالنظرات والقسمات القاسية والحادة والمغرية للرسام والجميلة، حينها بدأ كثيرون يتأملون هذه اللوحات التي تنتمي إليهم، وصاروا يدافعون عنها. تلك كانت نقلة جيدة".
يلتقي مجددا بزميله في هواية الرسم، المرحوم عبد الحميد شرف، الذي يقول مهنا: "كنت أغار منه، فقد كان يرسم الخيول بشكل ممتاز". لقد اختار كل منهما نمطه الخاص في الفروسية؛ واحد في الفن وآخر في السياسة. فيعمل السياسي شرف على مساندة الفنان مهنا في الانتقال لتأسيس قسم للفنون في وزارة الثقافة.
ها هي المساحة المخصصة لهذا المقال تنتهي، وهناك الكثير مما ينبغي أن يكتب عن الكبير مهنا الدرة؛ أحد بناة الأردن الحديث في ميدان الفن والثقافة عموماً.

التعليق