حكومة إسرائيل ضد الدولة اليهودية

تم نشره في الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • مجندات من قوات الاحتلال يحملن العلم الإسرائيلي منكسا في مقبرة بالقدس تخليدا لذكرى قتلاهم.-(ا ف ب)

هآرتس

مردخاي كرمينتسر  16/4/2018

كل من يعرف أن الديمقراطية ليست فقط سلطة الاغلبية، ومعظم الجمهور في إسرائيل يعرف ذلك، ويعرف أن الحكومة تتبع خطوات مختلفة من اجل اضعاف الديمقراطية. وهذه الخطوات تعتبر مقبولة بالنسبة للكثيرين لأنها تعرض وكأنها تعزز طابع إسرائيل كدولة يهودية، أمر عزيز ليهود كثيرين. في السطور القادمة سأحاول تبيان أن الحكومة تعمل بجدية ونجاعة ضد الطابع اليهودي لإسرائيل وذلك على اربعة اصعدة: وجود الدولة كدولة يهودية، التاريخ اليهودي للعمل من اجل الأقليات، علاقة إسرائيل مع الشعب اليهودي ومكانة إسرائيل في العالم كدولة يهودية.
الصهيونية أرادت ضمان سيادة اليهود على مصيرهم ومستقبلهم. لذلك احتاج الشعب اليهودي إلى دولة خاصة به يشكل فيها الاغلبية. وجود دولة يهودية مشروط بأغلبية يهودية ثابتة. الخطوات التي يتم اتخاذها من قبل الحكومة لضم زاحف لمناطق يهودا والسامرة ومحو فعلي ومحو من الوعي للخط الأخضر، تزيل قاعدة الاغلبية اليهودية وبالتالي الدولة اليهودية، حتى لو استمرت في تسمية نفسها هكذا فهي لن تكون كذلك. على خلفية محاولة تاريخية طويلة للعيش بين ظهراني شعوب اخرى كأقلية وحسم الأمر لانشاء اغلبية يهودية في دولة إسرائيل، أي، منع الأقلية من تشكيل خطر على هذه الاغلبية، فإن المطلوب من ناحية اخلاقية هو وجود علاقات مثالية مع الأقليات هنا. العداء الذي يظهره رئيس الحكومة ووزير الأمن للأقلية العربية هو عكس القاعدة الكبيرة التي وضعها العجوز هيلل، ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك. كما أن علاقة الحكومة من طالبي اللجوء من السودان وأريتيريا، بما في ذلك تصريحات الحكومة تجاههم، لم تكن لتخجل اسوأ اللاساميين في علاقتهم مع اللاجئين اليهود، ولا تستقيم مع التاريخ اليهودي ومع كون إسرائيل دولة لاجئين.
التاريخ اليهودي يعلمنا أن الأقليات تحتاج إلى الحماية القانونية الخاصة، وأنه لا يمكن الاعتماد على الاغلبية في الدولة بأن تتصرف مع الأقليات بشكل منطقي. اليهود في الشتات وقفوا بسبب ذلك مع آخرين في جبهة واحدة للنضال من اجل تراث عالمي للدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات. هذه الحماية لا تعترف بـ "حق" الدول السيادية في سحق حقوق الأقليات، استنادا إلى سيادتها. منذ فترة تريد حكومة إسرائيل بطرق عديدة رفع هذه الحماية عن الأقليات التي تعيش في البلاد.
وكأنها تريد أن تقول بأن الحماية الخاصة في وجه الاغلبية هي من حق اليهود فقط، وليس للأقليات الاخرى هذا الحق. كما أن المطاردة المنهجية لمنظمات حقوق الانسان استنادا إلى "جريمتها" – الحصول على الأموال من الدول الاجنبية – تعارض بشدة تراث الحماية العالمي، ويمكن أن نضيف – اليهودي أيضا – عن حقوق الانسان والأقليات.
حسب التراث اليهودي فإن الهيكل تم تدميره بسبب الانقسام والنزاع في اوساط الشعب، ليس فقط أن الحكومة لا تعمل على جسر الخلافات المختلفة ورأب التصدعات بينها، بل تفعل العكس تماما وتشعل الخلافات والتوترات. هذا بالاساس عن طريق سلب شرعية عن كل من يعارض سياستها وعرضه كعدو للشعب والدولة، وعن طريق تفضيل مجموعتين – الحريديم والصهاينة المتدينين.
دولة يهودية هي دولة لها علاقة خاصة مع الشعب اليهودي في الشتات، وهي تتحمل المسؤولية عن مصيره. الحكومة في المقابل منشغلة باتباع ممارسات مميزة في إسرائيل باسم الحفاظ على نقاء السكان في المستوطنات عن طريق قانون لجان القبول ومشروع قانون اساس: القومية. هذه الممارسات تشكل نموذجا يُمكن ويستدعي التمييز ضد الأقليات، وكذلك ضد يهود الشتات الذين سيفرح من يكرهون اليهود بتبنيها خارج إسرائيل من خلال الاستناد إلى النموذج الإسرائيلي. معظم يهود العالم، وبالتأكيد معظم يهود الولايات المتحدة، هم ديمقراطيون ليبراليون. إن الطلاق القاطع الذي تعطيه إسرائيل للنموذج الليبرالي للديمقراطية يفصلها عن معظم الشعب اليهودي. لم يكن في أي يوم حكومة أدت إلى شرخ عميق وخطير كهذا مع يهود العالم مثل هذه الحكومة. حكومة تعمل على المس بمكانة النساء، الاقصاء والفصل بطرق أخرى، لا يمكنها أن تؤدي إلى تماهي الشعب اليهودي مع دولة إسرائيل. من يقود خطوات تدين الدولة يغلق عمليا ابوابها في وجه هجرة اليهود الليبراليين. ولا يقل عن ذلك خطورة حقيقة أنه في النضال على روح اوروبا، تضع إسرائيل نفسها في جانب من يؤيدون نقاء الشعب، بالتماهي التام للدولة، مع الاغلبية العرقية فيها – دول غير ليبرالية مثل هنغاريا وبولندا.
ليس غريبا أن وطنيين مناوئين لليبرالية يجدون لغة مشتركة – على نمط "يا وطنيي العالم اتحدوا" – ولكن حقيقة أن الاحزاب الحاكمة في هذه الدول تفوح منها رياح اللاسامية، لا تردع الحكومة عن هذا التحالف، هي لا ترتدع عن منح الشرعية لهذه الحكومات، وتبييض اللاسامية فيها. حتى قانون بولندا الذي يريد اخافة من يريد قول الحقيقة حول الجرائم التي نفذها البولنديون ضد اليهود في زمن الكارثة، لم يجعل حكومة تتخذ ردا مناسبا. بهذا فقد اشركت الحكومة نفسها في تلويث ذكرى الكارثة وضحاياها، وأدارت ظهرها لمعظم الشعب اليهودي وناقضت طابعها اليهودي.
الشرعية الدولية لإسرائيل كدولة يهودية تستند إلى التزامها بالمساواة بين كل مواطنيها، أي، رؤية ليبرالية للديمقراطية. لقد حظيت بتعاطف العالم الذي يحب الحرية بالتحديد بفضل مشروع الديمقراطية الليبرالي الذي أنشيء هنا بجهد كبير منذ قيام الدولة، وبدرجة كبيرة على أيدي المحكمة العليا على مر اجيالها. إن قضم اساس هذا المبنى يرتبط بفقدان الشرعية والتعاطف. إن تراجع الحزب الديمقراطي ومؤيديه في الولايات المتحدة عن دعم إسرائيل، يجب أن يقلق كل من يخاف على مستقبل الدولة على المدى البعيد. القطيعة التي وضعتها وزيرة القضاء أييليت شكيد بين الصهيونية وحقوق الانسان من اجل تبرير مشروع حياتها لالغاء دور المحكمة العليا – تناسب أعداء إسرائيل والصهيونية الكبار، كما أنها ستخدمهم في نضالهم ضد الدولة.
باختصار، خسارة الديمقراطية المرتبطة بخطوات الحكومة لا تخدم يهودية الدولة، بل العكس، الحكومة تعمل في نفس الوقت ضد إسرائيل كدولة ديمقراطية وضد إسرائيل كدولة يهودية، وهذا الامر لا يرفع مكانة دولة إسرائيل. الشعب اليهودي أراد لنفسه حياة حرة أمام الاستبداد والطغيان. الاستبداد والطغيان لا يغيران طابعهما فقط بسبب أنهما جاءا من الداخل. اليهود يعرفون جيدا من التجربة التاريخية أنه ليس فقط الاغلبية دائما محقة، بل إن الاغلبية يمكنها القيام بأعمال ظلم كبيرة وخطيرة. تجربة الحكومة قبيل يوم ميلاد الدولة السبعين بمنحنا "هدية" على شكل رفع الحماية القانونية عن حقوقنا، تمثل انحطاطا لم يسبق له مثيل في سلوكها. عاش كاره الهدايا. علينا الدفاع عن استقلالنا، أي، الحفاظ على حقوقنا الاساسية من سلطة الاغلبية ومن الحكومة التي تريد منحها قوة غير محدودة.

التعليق