د.أحمد جميل عزم

ترامب والقذافي

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 12:04 صباحاً

في بداية تولي دونالد ترامب لمنصبه، رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، اشتركتُ في حلقة تلفزيونية مع أكاديمي في جامعة أميركية، قال إنّ ما تعلمناه في السياسة وعلم العلاقات الدولية لا يساعدنا لفهم ترامب، ونحتاج لنظريات علم النفس. وذهب البعض للتشكيك بالسلامة العقلية لترامب، وقد نشرتُ مقالا في الغد في آب (أغسطس) 17، بعنوان "الصحة العقلية لترامب"، تناولت فيه نماذج من كتابات أساتذة علم نفس ومختصين، يشككون بالصحة العقلية لترامب، ومن المشككين، 28 نائبا في الكونغرس قدموا مشروع قانون لتأسيس "لجنة لدراسة قدرات الرئيس". لكن الآن هناك شبه اتفاق أن ترامب ليس مجنوناً. 
في الأيام الفائتة، بدا الأمر مثيراً للتساؤل مجدداً. فقد قام ترامب، عبر وسيلته المفضلة "تويتر"، بالإعلان عن ضربات مرتقبة، محذراً الروس من الصواريخ الذكية التي ستقصف في سورية، في تلميح لاحتمال استهدافهم هناك، ولكن الضربات كانت محدودة للغاية، ثم فاجأ العالم بأنه رفض فرض إجراءات حصار اقتصادي على الروس.
في العام الفائت أثار ترامب قلق السياسيين الأميركيين والعالم، وفتح الباب لأسئلة عن حرب نووية عالمية، وهو يهدد كوريا الشمالية بـ "الغضب والنار"، وهو ينتقد وزير خارجيته (الذي أقاله لاحقا) ريكس تلرسون،  لأنه شجّع اتصالات دبلوماسية بين كوريا الجنوبية والشمالية، واعتبر هذا إضاعة وقت. ولكنه لاحقا وبينما كان يقيل تلرسون، أعلن أنه قد يلتقي رئيس كوريا الشمالية، والآن أعلن تشجيعه حوار الكوريتين، وتسرب أنّ وزير الخارجية الجديد، مدير الاستخبارات السابق، مك بومبيو، زار كوريا الشمالية، قبل استلامه موقعه الجديد في الخارجية.
وكما فعل مع تلرسون، يأتي تصريح ترامب الآن، رداً على مندوبته في الأمم المتحدة، نيكي هيللي، الأحد الفائت، عندما قالت إنّ الإدارة الأميركية تدرس فرض عقوبات على شركات روسية تساعد برامج الأسلحة الكيماوية السورية. هذا رغم أنّ ترامب نفسه وافق الشهر الفائت على عقوبات دبلوماسية ضد موسكو.
علق أستاذ العلاقات الدولية، ستيفن سيستانوفيتش، في جامعة كولومبيا، لصحيفة نيويورك تايمز، ساخرا، إنّ ترامب "إذا وافق على توصيات مستشاريه في أيام زوجية ورفضها في أيام فردية فإنّه يظن أنّ هذا ينتج استراتيجية". ويكمل أستاذ العلاقات الدولية، "إلى حد كبير، لا يعرفون في الحكومات الأخرى هل يبكون أم يضحكون على ذلك (طريقة ترامب)". ويضيف "ولكن في روسيا الضحك أكثر". 
في مقابلة تلفزيونية أعقبت إصداره كتابه "الولاء الأول"، يقول جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفدرالية، الأميركي، السابق، إنّه يرفض التشكيك بسلامة ترامب صحياً (عقلياً)، ولكن ترامب غير مناسب أخلاقيا لرئاسة الولايات المتحدة.
رغم شخصانية ومزاجية ترامب التي تجعل التنبؤ بتصرفاته صعباً، فإنه يمكن الخروج باستنتاجات، منها أنّ ترامب عموماً، يحاول تفادي المواجهات العسكرية المكلفة، خصوصاً إذا في قضايا لا تمس الولايات المتحدة مباشرة، هذا واضح في كوريا الشمالية وسورية، ولكنه يريد ضخ أموال في تقوية الجيش الأميركي، ويستخدم التلويح بالسلاح الأميركي كثيراً. وهذا أشبه بسياسة حافة الهاوية، فالتلويح بالسلاح قد يؤدي لاستخدامه، ولردود فعل حادة من الأطراف المقابلة. والاستنتاج الثاني، أن ترامب لديه مزاجية وحساسية من أي مسؤول أميركي يقدم تصورا مستقلا أو جديدا، قبله، حتى لو كان من أقرب مؤيديه. وثالثا، أن موضوعات إيران وإسرائيل وتنفيذه تهديداته هناك مرتبطة بقوة اللوبي الإسرائيلي المتطرف الذي يدعمه ماليا وسياسياً.
في أغلب الدوائر الطبية والسياسية الأميركية تراجع الحديث عن سلامة ترامب العقلية، ولكن يتركز الحديث عن شخصانيته ومزاجيته ونرجسيته. وبالتأكيد يصعب على العالم، والمحللين، التعامل مع ذلك، ويصعب التنبؤ بالسياسات الأميركية مع هكذا رئيس. ولكن هذه الظاهرة ليست جديدة في العلوم السياسية. ففي أي مكان يعطي الرئيس نفسه أولوية، ويحاكم الأمور بمنظار متقلب من الرغبات والحاجات النفسية، تصبح النظرية المطلوبة لتحليل العلاقات الدولية متصلة بشخصية صانع القرار. وهذا نراه في دول وحالات، من مثل حالة رئيس ليبيا السابق، معمر القذافي، وغيره كُثر. لكن جزءا كبيرا من الدكتاتوريين، يوجد لديهم نمط شخصية يمكن فهمه مع الوقت، في حالات مثل القذافي وترامب يصعب هذا، والأهم أنّ الولايات المتحدة، ليست دكتاتورية، وأيضاً أي سياسة يقوم بها رئيسها لها أثر عالمي.   

التعليق