ثائرة عربيات.. تحيي تراث ‘‘هدب الشماغ‘‘ وتروجه محليا وعالميا

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • ثائرة عربيات خلال تدريب سيدات على تهديب الشماغ-(من المصدر)

تغريد السعايدة

عمان- منذ عقود و"الشماغ الأردني" يرتبط بالهيبة والكرامة والنخوة، ولطالما اعتلى رؤوسا شامخة تباهت به وبجماله و"هدبه" المشغول بأنامل الزوجات والأمهات، فهو الرمز المعشق برائحة الوطن والارتباط به، فتوارثت الأردنيات حرفة "تهديب الشماغ" عبر تعليمه إلى الأجيال.
ثائرة عربيات، ناشطة اجتماعية وثقافية من مدينة السلط، وتعمل بشكل تطوعي على تدريب النساء على مهارات تهديب الشماغ، حتى تكون هذه المهارة حرفة متوارثة، ومصدر دخل للعديد منهن، وعزا وفخرا في الوقت ذاته.
عربيات التي قامت قبل سنوات قليلة بتهديب مجموعة من الشماغات لجلالة الملك عبد الله، نظرا لمهارتها في ذلك، وبالتنسيق مع مكتب التوثيق الملكي، تعد من بين قصص النجاج المتوالية لعدد كبير من الأردنيات، اللواتي يتم تسليط الضوء على إبداعهن وتميزهن.
عربيات انقطعت عن الدراسة مبكرا بسبب زواجها، بيد أنها لم تنقطع عن نهل العلم والثقافة من مصادرها المختلفة، فكانت تقرأ باستمرار، وهي الآن في مقتبل الاربعينيات من العمر، وقرأت ما يقارب 11 ألف كتاب في التاريخ والأدب والثقافة، والحصول على 71 شهادة في دورات وخبرات تدريبية في عدة مجالات حياتية.
لكن شغف عربيات في التراث الأردني، وحبها "للشماغ الأردني"، جعلها تكرس جهودها لتوثيق الهدب الأردني المتنوع، واستحداث "غُرز" جديدة تساعد في تجميله، وإعادة احياء ارتدائه بين فئة الشباب، بأشكال مختلفة.
وأطلقت عربيات بهدف تكريس مهنة تهديب الشماغ، فعالية "يا مهدبات الهدب"، التي تقوم من خلالها بتدريب السيدات بشكل مجاني، على تلك المهارة التي تعلمت أبجدياتها من قبل والدة زوجها، التي وقفت إلى جانبها منذ زواجها وهي في سن صغيرة، فكانت الداعم لها للوصول إلى هذ المرحلة، لذلك وهبت كل ما تقوم به من عمل تطوعي في هذه المبادرة "صدقة عن والدة زوجها"، التي تعتبرها بمثابة والدتها.
بروحها المتفائلة، التي لا تتوقف عن البحث عن كل ما هو جميل في مدينتها السلط، وإحياء روح العمل والتفاؤل والجمال لدى سيداتها، تحدثت عربيات "للغد" عن عشقها وحبها للشماغ الأردني والتراث الجميل الذي يجب أن يبقى دائما وحاضرا في كل محفل محلي وعالمي.
لذلك عملت عربيات على التواصل مع العديد من المؤرخين للتعرف على تاريخ الشماغ الأردني، الذي فرضه كلوب باشا على الجيش الأردني في العام 1936، وبقي كذلك حتى تعريب الجيش في العام 1956، واستمر بعد ذلك الأردني بارتداء الشماغ بلونه الأحمر الداكن، لتتباهى بعد ذلك البدويات في تجميله لأبنائهن وأزواجهن من خلال "الهدب"، والذي ارتبط إتقانه ودقة تشكيله بالجمال والهيبة.
ومن خلال خبرتها في الهدب الأردني، تعرفت عربيات على العديد من الأنواع الخاصة التي يتم تزيين الشماغ بها، والتي تحاول أن تُعلمها للسيدات بشكل دائم من خلال التشبيك بين السيدات والجمعيات المهتمة في السلط كما في جمعية "تواصل" التي نظمت مؤخرا دورة خاصة لتدريب السيدات على الهدب والتطريز بأشكال مختلفة على الشماغ، ليضيف عليه جمالا، وأنوثة، يمكن أن تستخدمه السيدات في أي مناسبة وتوقيت، وهو بالفعل ما يظهر من خلال الطلب عليه من قبل السيدات والشباب، وحتى الأطفال.
لذلك عمدت عربيات إلى تفصيل "شماغ" بأحجام صغيرة تناسب الأطفال والسيدات، وإضافة أشكال جميلة من خلال التطريز، وبُكلف متاحه للجميع، إذ كان الشماغ في السابق مرتفع التكلفة، بيد أنه ومع توفر عدة أصناف من القماش والتطريز وسهولة التفصيل، أصبح الطلب عليه جديا، على الرغم من أنه في السابق كان لباسا تقليديا للجميع من الرجال في مختلف الأعمار.
أم صالح، إحدى السيدات اللواتي يتعلمن فنونا جديدة "للهدب" من عربيات، وقامت منذ وقت طويل بتهديب شماغ خاص إلى الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه (تم إهداؤه له، ولكنها كانت معتادة على نمط واحد من الهدب، وهي الآن ترغب بتعلم "الغُرز" الجديدة، التي تعمل تنوع في الأشكال والتصنيفات.
وتقول أم صالح إن السيدات في السابق كنّ يجتمعن في منزل إحدى السيدات ويقمن بعمل جماعي في تهديب الشماغ وينتهين من عمله بشكل سريع، بيد أنه ومع مرور الوقت ووجود سيدات يعملن بتهديب الشماغ مقابل أجر، أصبح أغلب الراغبين باقتناء الشماغ، يقومون بطلب الغرزة والهدب مقابل مبلغ مالي، وبذلك أصبح عمل الكثير من السيدات بالهدب مصدر رزق لهن أو دخلا إضافيا للأسرة، عدا عن الاستمتاع بالخروج بقطعة تراثية جميلة.
وتعتبر عربيات من السيدات الرائدات في مدينة السلط، وتقوم بالعديد من الأنشطة التطوعية في مدينتها، فهي أمينة سر عدة هيئات وجمعيات.
وترى عربيات في السلط مدينتها التي تتمتع بالكثير من الجمال والذي يجب أن يظهر من خلال الفعاليات السياحية والتراثية فيه، وكانت ضمن المشاركين في مهرجان "يلا ع السلط" من خلال المنتجات التي تقدمها في كل فرصة تتاح لها لتبين جمال السلط ومقتنياتها.
وتتمتع عربيات بشخصية اجتماعية ساعدتها على أن تصبح سيدة أردنية معروفة في العديد من المجالات المحلية كمتطوعة تقدم العون للآخرين بالتعاون مع جمعيات وبمزادات مختلفة، بالإضافة إلى كونها سيدة لديها مخزون معرفي كبير في التاريخ والإرث الأردني، وتتواصل مع العديد من الكُتاب والمؤرخين الذين لهم مؤلفات في تاريخ الأردن وقبائله وتراثه، لتكون على دراية كاملة بتاريخها.
وتحصنت عربيات خلال حياتها العملية والتطوعية بالكثير من المعارف والثقافات، التي لم يثنها الخروج من المدرسة أن تبقى فتاة تعشق العلم والمعرفة، لتجد في بيتها وزوجها وعائلتها السند الكبير الذي وقف إلى جانبها حتى أصبحت الآن من سيدات السلط المعروفات بشغفهن وحبهن للمكان والموروث الأردني وتسخير تلك المعرفة في ايجاد فرص عمل ومشاريع تطوعية تساهم في التعريف بمدينة السلط سياحيا، عدا عن استحداث المشاريع التي تساهم في تمكين المرأة.

التعليق