موفق ملكاوي

الترجمة.. والرؤية الغائمة!

تم نشره في السبت 21 نيسان / أبريل 2018. 12:05 صباحاً

في واحدة من تجليات الأدب وفوائده، حين الاطلاع عليه لدى ثقافات وشعوب أخرى، هو معرفتنا لأنماط الحياة عند تلك الشعوب، وطرائق تفكيرها، وانحيازاتها الفكرية والإنسانية.
لا شك أن الترجمة هي الوسيلة الأكثر شيوعا للاطلاع على تلك التجارب، خصوصا أن امتلاك جميع اللغات أمر يستحيل تحقيقه، لكن حين تعتمد الترجمة مبدأ التجميع، و"المتوفر"، فإنه لا يمكن الاعتماد عليها في عملية التعرف على الأمم.
لعل هذه المقدمة القصيرة، مناسبة جدا لكتاب "القلم واللوحة: المشهد الأدبي الحديث في الشرق الأوسط" الذي "جمّعه" المؤلف وعالم الدراسات الدينية، رضا أصلان، وهو بروفيسور في الكتابة الإبداعية، أميركي من أصل إيراني.
عثرت على الكتاب ومحتوياته خلال بحثي على الإنترنت عن بعض الأمور في الأدب الإيراني الحديث، ووجدت أن الكاتب جمع ما أطلق عليه "أدب الشرق الأوسط"، معتمدا خريطة غريبة لذلك، جامعا فيها؛ المغرب العربي، مصر، بلاد الشام، إيران، باكستان، أفغانستان، بنغلادش، الهند، تركيا وغيرها، محاولا أن يمنحها تأطيرا وسمات خاصة، كما لو أنها نشأت في البيئة نفسها، وتحت التأثيرات والظروف ذاتها.
الترجمات تمت من لغات عديدة شملت العربية والفارسية والأوردية والتركية، أما الأعمال المختارة فقد امتد زمنها على مدى قرن كامل، شاملة جبران خليل جبران، نجيب محفوظ، أورهان باموك، أدونيس، عصمت تشوغتاي، وغيرهم.
تبدو منهجية الكاتب غريبة بعض الشيء؛ إذ إنه اعتمد التقسيم الديني للأدب، بمعنى أنه اعتمد تقسيما دينيا جغرافيا، كما لو أنه يدافع عن مسمى "الأدب الإسلامي" الذي شاع قبل عقدين تقريبا وعاد إلى الخفوت بعدها. هذا التقسيم، بالضرورة، يهمل السمات الخاصة لكل بيئة، فمن المعروف أن البيئة الإبداعية تتأثر بالعديد من العوامل، حتى لدى الدول المتجاورة، فما بالك بدول تمتد على ثلاث قارات!
لا شك أن العمل ضخم بجميع المقاييس، فالكاتب رضا أصلان لم ينجز الكتاب وحده، بل مع فريق مكون من أربعة محررين إقليميين وسبعة وسبعين مترجما. ولكن في تقديمها للكتاب، تطرح goodreads إشكالية تقسيمية أخرى؛ إذ تقول إن هذه البلدان الممتدة من المغرب إلى إيران، ومن تركيا إلى باكستان، تتمتع بثقافات مختلفة ولغات مختلفة وديانات مختلفة، إلا أن المشهد الأدبي فيها "قد تم ربطه ليس بالحدود والجنسيات، ولكن بتجربة مشتركة للإمبريالية الغربية، وإرث الحكم الاستعماري". ففي محاولته تكوين هوية خاصة، يربط الكاتب الدول التي اختارها بالإرث الاستعماري، ولكن بإيراده تركيا في القائمة تسقط هذه الحجة؛ إذ من المعروف أن تركيا لم ترتهن للاستعمار، بل كانت هي نفسها قوة استعمارية تفككت في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
الخلط يتعدى عمل الكاتب، فالصحف الغربية العريقة تفعل الأمر نفسه حين تتصدى لقراءة مستعجلة في الكتاب، فصحيفة "لوس أنجليس تايمز" تعتبر أن رواية "البوم الأعمى" لصادق هدايت "واحدة من أهم أيقونات الرواية العربية"، رغم أن هدايت كاتب إيراني معروف.
الكتاب بالتأكيد مهم، ولكن ما يتم التحفظ عليه فيه هو منهجيته الغائمة في جمع النصوص وترجمتها، استنادا إلى رؤية غائمة، تحاول أن تؤسس هوية خاصة لبيئات لا تتشابه في كثير من المفصليات.

التعليق