‘‘خرائب التنمية‘‘: القرية الإلكترونية في قرية لِب مثالا

تم نشره في الأحد 22 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • مشهد من لواء ذيبان بمحافظة مادبا-(أرشيفية)

أحمد أبو خليل

ما أن تصل إلى وسط قرية "لب" التابعة لقضاء ذيبان، والواقعة على مسافة حوالي 12 كلم جنوب مدينة مأدبا، حتى تطالعك اللوحات التي ترشدك إلى "القرية الإلكترونية" الشهيرة.
وهذه اللوحات التي مر عليها 12 عاما هي عمر المشروع، ما تزال مثبتة في أمكنتها، وهي مكتوبة باللغتين العربية والانجليزية، بعضها اهترأ وانمحى طلاؤه، لكنك بقدر من التدقيق تستطيع القراءة، وتستطيع الوصول، متجنبا سؤال المواطنين، الذين سيرشدونك بالتفصيل وبمودة ولطف، لكنهم لا يستطيعون إخفاء استغرابهم من سؤالك عن مشروع ولد ميتا، حيث لم تعمل بعض مرفقاته مطلقا، وبعضها عمل لأشهر، وأحدها عمل جزئيا لسنتين تقريبا.
بعض المواطنين سألوني إن كانت لي ديون على المشروع، أو إن كنت أود شراء أحد الأبنية فيه، وإلا لماذا السؤال عن هذه الخرائب؟
لكن بالمقابل، جرّب أن تضع عبارة "القرية الإلكترونية في لب" على محرك البحث على الإنترنت، ستجد نصوصا وأخبارا مصاغة بلغة تشبه الشعر، تتحدث عن المشروع "الريادي" وعن الجهات التي ترعاه وعن مئات المستفيدين والمستفيدات مباشرة من المشروع فضلا عن فائدة المجتمع المحلي ككل، بل وفائدة عابري المنطقة عموما من المواطنين ومن الزوار ومن السياح أيضا.
الملاحظات الواردة في هذا التقرير مبنية على زيارة يوم الخميس الفائت 19 نيسان(إبريل) الحالي، سبقتها زيارة أخرى بعد سنة على قيام المشروع في العام 2007 حيث كان المشروع بصيغته الأخيرة قد افتتح في العام 2006.
نقول صيغته الأخيرة، لأن قصة الموقع كمشروع تنموي تبدأ قبل عام 2006، فهو من أول المشروعات التي اشتغلت عليها وزارة التخطيط ضمن برنامج "حزمة الامان الاجتماعي" الذي أطلقته الوزارة العام 1997، وكان نصيب قرية "لِب" منه مشروعا أقيم في الموقع ذاته وقد سمي حينها "مشروع قرية لب الريادي"، الذي اكتمل وافتتح العام 2003، وقد ضم المشروع حينها أربعة مشاغل هي: مشغل حلقوم (راحة) ومخبز شراك ومعجنات، ومصنعا  للألبان، ومركز خياطة وتدريب على التطريز.
اختير كموقع للمشروع حي صغير مكون من الأبنية القديمة (مباني القرية القديمة الحجرية) وقد أجريت بعض عمليات الترميم والتأهيل للبيوت التي استأجرت من أصحابها لمصلحة المشروع. ونُشرت حينها تقارير وأخبار عن الفئات التي استفادت وعن فرص العمل التي وفرها المشروع للسيدات بشكل خاص.
بعد ذلك، وفي العام 2006 أجريت توسعة كبرى على المشروع، وأقيم ائتلاف من أكثر من 20 جهة ومؤسسة أردنية وأجنبية ودولية، وبعض الشركات الخاصة الأردنية أو العاملة في الأردن، ولا تزال إلى الآن لوحة فسيفسائية أرضية كبيرة مقامة على مدخل المشروع تزيد مساحتها على 10 أمتار مربعة، تحمل أسماء الجهات التي موّلت وأشرفت وأوحت ودعمت المشروع الكبير الذي أخذ هذه المرة اسم "القرية الالكترونية"، وقد صمم وأقيم مدخل خاص للمشروع على شكل قوس حجري كبير، أقيمت على جانبيه لوحتان فسيفسائيتان أيضاً، تحمل كل منهما أسماء بعض الجهات الرئيسية أبرزها وزارة التخطيط ووزارة الاتصالات وصندوق الامم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفيم).
وقد نشرت عند الافتتاح تقارير وأجرت مقابلات مع المنفذين والممولين والمشرفين، تحدثوا فيها عن: دمج المباني التراثية بتكنولوجيا العصر، وتقليص الفجوة المعلوماتية بين الريف والمدينة، وعن المشروع الذي يجسد نموذجا لالتحام القطاع الحكومي والخاص في مشروع واحد، وعن "أكاديمية مايكروسوفت" القائمة في المشروع، وعن ساحة عرض الأفلام للأهالي، وعن شراكة وزارة التربية والتعليم مع "متحف بوسطون للعلوم"/ أميركا، ومعهد ماساشوستس للتكنولجيا في إقامة مختبر "ليجو روبوت"، وعن مركز حِرفي متخصص بالفسيفساء، هذا بالطبع إلى جانب الاستمتاع بتذوق الحلقوم المصنوع في المشروع، وخبز الشراك الطازج المخبوز على صاج يدوي بالطبع، وذلك بانتظار تطوير صاجات إلكترونية!
بعد سنة على قيام المشروع، كانت مبانيه مغلقة لكن بعض الأدوات والمرافق كانت ما تزال موجودة ومحروسة، باستثناء القسم الخاص بدورات الكمبيوتر وهو الوحيد الذي كان استمر مفتوحا ويستقبل الرواد والمستفيدين لفترة تزيد قليلا عن السنة، وقد طلب منا المشرف عليه أن لا نلتقط صورا في هذا القسم، غير أن غياب المشرفين عن الأقسام المغلقة الأخرى، مكننا من مد الكاميرا واقتناص بعض الصور من خلال شبابيك الأقسام الأخرى المغلقة التي كان يعلوها الغبار والأتربة.
اليوم لا تزال المباني مغلقة، ولكنها خالية تماماً من الموجودات، وقد أزيلت عن أغلبها اللوحات المعدنية الصغيرة التي كانت تشير إلى تخصصها، وأتلفت المرافق الصحية والمطابخ الانتاجية، بالكامل وحطمت بعض الأبواب، وأفاد السكان بأن المشروع أغلق بالكامل بعد أقل من سنتين على إنشائه، وبأن المباني عادت لأصحابها من الأهالي الذين باع بعضهم أملاكه، ولكن بقدر بسيط من التدقيق تستطيع أن ترى استثمارا "غير إلكتروني"، في مجال تربية الحمام في أحد الأبنية.
طرقت باب أقرب البيوت إلى المشروع، خرج منه شاب قال لي إنه في الثانية والعشرين من عمره، وأخبرني أنه دخل المشروع مرة واحدة في حياته وكان ذلك إلى قسم الكمبيوتر. وقد ظهر عليه الاستغراب.
قرب بوابة المشروع تقع مدرسة حكومية ابتدائية، كان بعض تلاميذها قد دخلوا إلى المشروع للّعب، وقد هربوا عند قدومي، ولكني ناديت عليهم ثم دار بيني وبينهم، وعن بعد، الحوار السريع التالي:
* ما هذا الذي كنتم فيه؟
* قرية إلكترونية.
* ماذا يوجد بها؟
* لا شيء.
* ومنذ متى لا يوجد بها شيء؟
* مِنْ لمّا انخلقنا ما فيها إشي! (وابتعدوا ضاحكين).

التعليق