نضال منصور

"أموال الضمان" بين الحوكمة الرشيدة والقنابل الدخانية!

تم نشره في الأحد 22 نيسان / أبريل 2018. 12:04 صباحاً

مضت 28 عاماً وأنا أعمل في الأردن، كنت وما أزال ملتزماً بالاشتراك بالضمان الاجتماعي لأنني أطمح يوماً حين أتقاعد في سن الشيخوخة إلى أن يكون مستقبلي مضموناً ومؤمناً.
هذا حق لي لا أقبل المساومة عليه والتفريط به، فلقد كدحت كل هذه السنوات بجهد وجد حتى أرتاح حين أكبر بالسن، وكلي ثقة بأن مصدراً ثابتاً للدخل سأتلقاه من الضمان الاجتماعي سيبعد عني شبح الخوف والقلق.
هل أشعر، ويشعر الأردنيون مثلي بعد كل هذه السنوات بالثقة، وبأن أموالهم التي دفعوها في الضمان الاجتماعي مصانة، وبأن مستقبلهم لا يتهدده الخطر؟!
ليست لدي إجابة قاطعة حاسمة، وأشعر بالتردد أحياناً، وبالثقة أحياناً أخرى، وكل ما أعرفه أن الأردن كان عصياً طوال العقود الماضية، وظل صامداً، قوياً، ناجياً بفضل تضحيات وعزيمة أبنائه.
المخاوف لا تبرر "الزوبعة" التي اشتعلت وأوحت بأن أموال الضمان الاجتماعي في خطر داهم، وهو ما دفع رئيس الحكومة هاني الملقي، ووزير العمل رئيس مجلس إدارة الضمان، للرد بعنف على الاتهامات بتدخل الحكومة باستثمارات الضمان، مشيرين الى أن هناك هجمة ممنهجة ضد الوطن.
"ما زاد الطين بلة"، كما يُقال بالأمثال الشعبية، الاتهامات التي أطلقها بعض النواب من دون أي أدلة، والأنكى منها التحذيرات المبهمة والرسائل المشفرة التي أُطلقت تحت القبة.
بكل تأكيد لا أحد يقلل من أهمية الدور الرقابي لمجلس النواب، وحقهم في المساءلة، ولكن هل يتحقق هذا الأمر بإثارة الاتهامات، أم بالتوثق وجمع المعلومات للوصول للحقيقة، وهم يملكون كل الوسائل الدستورية لتحقيق ذلك؟
باختصار، يستطيع النائب أن يعرف كيف تُدار أموال الضمان، ويمكنه أن يتأكد إن كانت هناك أشباح خفية تديرها أم لا، ويملك الصلاحيات لمعرفة كل قرارات الاستثمار، وكيف صدرت، ومن يقف وراءها، وهذا هو عمل النائب وليس "إطلاق القنابل الدخانية"!!
ومثال على ذلك، صرّح رئيس صندوق الاستثمار السابق، سليمان الحافظ، على صفحته على "فيسبوك"، بأن "الحكومة اقترضت من الصندوق ملياري دينار".
بكل بساطة، يمكن للسادة النواب أن يستمعوا لشهادة الحافظ، ويطلبوا من الحكومة توضيحات، ويسألوا إذا كان الأمر صحيحاً لماذا اقترضت الحكومة، ومن الذي أصدر الموافقة، وما هي الضمانات الحكومية لصندوق الاستثمار، ومتى ستسدد الحكومة ديونها؟
هذه هي الآليات المطلوبة من مجلس النواب للمساءلة، فمن غير المعقول، بعد كل هذه السنوات، أن نظل نوجه سهام اتهاماتنا لشخصيات غابت عن مسرح العمل العام منذ سنوات، فيصبح الأمر "شماعة" سهلة لتعليق الأخطاء وشراء الشعبية حتى لو كان الأمر على حساب الوطن!
اطلعت على الأوراق التي وزعتها رئاسة الحكومة عن إدارة أموال الضمان، وبصراحة لفت انتباهي ضمانات الحوكمة الرشيدة، ومن المهم الإشارة الى وجود آليات رقابة من قبل مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي على أعمال صندوق استثمار أموال الضمان، تتمثل بلجنة الرقابة، ولجنة الحوكمة الرشيدة، ولجنة إدارة المخاطر الكلية، وهذا النموذج تم تطبيقه اعتباراً من 2014، بالإضافة الى ذلك فإن مجلس استثمار أموال الضمان يقوم بآليات رقابة أخرى على إدارة الصندوق تتمثل بلجنة التدقيق، ولجنة الحوكمة الاستثمارية، ولجنة المخاطر الاستثمارية، وطبعاً هذه الآليات الرقابية تضاف لرقابة ديوان المحاسبة، والمدقق الخارجي.
حين تطلع على هذه الآليات -إن طُبقت فعلاً- تُشعرك بالارتياح قليلاً، وتزداد ثقتك أكثر حين تسمع من مديرة صندوق الاستثمار، سهير العلي، كلاما قاطعا بأنه "لا توجد تدخلات بتاتاً منذ استلامها منصبها قبل عامين"، مشيرة الى أن "هناك بندا ثابتا على جدول أعمال مجلس إدارة الضمان شهرياً يتعلق بكل القرارات الاستثمارية التي اتخذها الصندوق".
واقع الأمر؛ أن زوبعة استثمار أموال الضمان الاجتماعي ربما لم تكن أكثر من صراع داخلي استثمرته بعض الأطراف لتوجيه لكمات للحكومة، وهي لا تعرف أنها توجه ضرباتها للأردنيين جميعاً، فحالة الفزع التي أثارتها تتعلق بكل بيت في الأردن.
من حقنا أن نقلق، فنحن نريد استقلالية صندوق الاستثمار بالضمان، ونريد تحصينه من التدخلات بأنواعها كافة، ونطالب بقواعد إضافية للإفصاح والشفافية، وإشراك أوسع لأطراف مستقلة وخبيرة في قرارات الاستثمار، لكن هذا لا يعني أن يكون الأمر مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية.

التعليق