"اللهم اجعل هذا البلد آمناً"

تم نشره في الاثنين 23 نيسان / أبريل 2018. 12:08 صباحاً

نعيش في منطقة مضطربة، فقد دُمّر العراق ثلاث مرات: بالغزوتين الأميركيتين، وبالحرب الأهلية الطائفية والإرهابية، كما دُمّرت سورية بالحرب الأهلية والطائفية والإرهابية وتقطعت أوصالاً. ومثلهما يحدث في ليبيا واليمن، وهناك بلدان مرشحة لمثله إذا لم تتعلم وتعتبر وتحتاط.
لقد ركب كل من الأطراف ذات العلاقة بهذه الأحداث المدمرة رأسه ظاناً أنها مجرد نزهة، وأن الأمور ستنتهي لصالحه. لكنه تفاجأ بمنجل الثعلب في حقله وبالعكس تماماً مما تصور وتخيّل.
كل طرف، حتى وإن فاز، يأكل الآن أصابعه وهو يشاهد هذا الدمار الشامل لبلده الذي يشارك فيه، والذي جعل شعبه بين مهجر ونازح ولاجئ ينتظر ما يتساقط عن موائد المحسنين ليبقى على قيد الحياة.
لعل (كل) طرف يقول الآن في نفسه: إنه أخطأ عندما حكّم العاطفة بدلاً من العقل، والأنانية بدلاً من الغيرية، والسعي إلى السلطة بدلاً من الالتزام بالمواطنة، ولم يقبل أدنى درجات الأمن والسلام بدلا من أدنى درجات العنف والحرب. إنه يقول في نفسه: لقد أجرمت في حق بلدي وشعبي وكان علي قبول أي ترتيب آمن على ألا يحصل ما حصل.
نحن في الأردن نعيش على هذه الحافة، ونراقب ما يحدث يوماً بيوم. نرى ما نرى فنحزن ونبكي على مصير الأشقاء، ومع هذا فقد أصابتنا "طراطيش" جسيمة منها رغماً عنا. لعل أقلها لجوء مئات الآلاف إلينا، واختراق المخدرات للمجتمع وتعاطي الأطفال لها في المدارس، والطلبة في الجامعات.
وعليه، وكواحد من الناس الذين يخشون العدوى القاتلة، أدعو الذين يختلقون الأخبار المهيّجة عن بلدهم، غير المستندة إلى أي دليل أو وثيقة، إلى التوقف عن ذلك. كما أدعو الذين يبالغون فيها، أو يوترون الأجواء، أو يتجاوزون الخطوط الحمراء بالشتائم والاتهامات وتحريض (البعض) في وسائط التواصل الاجتماعي على العنف، ربما لأسباب شخصية، إلى الكف عن ذلك حفاظاً على هذا البلد وشعبه. من الكارثة التي لن ينجو منها أحد إذا وقعت. أرجوهم جميعاً أن يتعلموا من التاريخ ومن الواقع الذي حولهم كي لا يكرروهما، فالسعيد من اتعظ بغيره.
نعم، توجد في البلاد مشكلات كثيرة وعويصة، ويوجد فيها فساد، وظروف معيشية صعبة وقاسية على كثير من الناس، يجب مواجهتها بحلول إبداعية وبما يقنع الناس بصدق النية وصدق الإجراء، لكنه يجب علينا ألا نزيد الأمور تعقيداً وتصعيداً.
على المواطن المنتمي الإسهام في تخفيف التوتر، وهو يقدر على ذلك -مثلاً- بترشيد الاستهلاك، ويعني صرف المبلغ نفسه الذي كان يصرفه على السلعة أيام الوساع، عليها الآن في أيام الغلاء والضيق. نعم، قد تنقص السلعة قليلاً، ولكن هذا النقص لا يؤثر سلباً على صحتنا، ولا يجعلنا نجوع أو نعطش أو نعرى، بل بالعكس قد تتحسن صحتنا ونظافة بيوتنا بتقلّص كمية النفايات اليومية من فضلات الغذاء والكراكيب... اليومية التي نرميها وبخاصة في رمضان.
كما يمكن استدراك الفرق الناجم عن الغلاء بالتخلص من العادات السيئة مثل التدخين، والشراب، والمشي بدلاً من التنقل الدائم بالسيارة، وبالكف عن الكبس واللمس على الهاتف الخلوي طيلة الوقت. أي أنه يوجد الكثير عند كل فرد أو أسرة لتعمله للتغلب ما أمكن على ظروف المعيشة الصعبة.
إذا أردتم معرفة ما هو حاصل بالفعل في الساحات العربية، فلنقرأ ما أورده الكاتب اليهودي، تسفى برئيل، من تقارير دولية تتحدث عن هذه المأساة، ومنها التقرير المفصل بعنوان "أصوات من سورية 2018" الصادر عن مركز المعلومات التابع للأمم المتحدة الخاص بالأزمات والكوارث العالمية (158 صفحة) "المليء بالمعطيات والشهادات التي تثير القشعريرة في النفس عن التحرش الجنسي بنساء وفتيات وطفلات في مراكز توزيع الطعام والشرطة المحلية والمعتقلات، ومقاتلي الميليشيات".
إن النفخ الدائم بالنار يقربها وقد تحرق ثيابنا وأجسامنا، فهل هذا هو المطلوب؟ إن النقد لسياسة الحكومة واجب، ولكن التحريض مرفوض.

التعليق