عندما تتجنى الصهيونية على الحقيقة

تم نشره في الاثنين 23 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • معلمتان فلسطينيتان في صف مدرسي دمرته القذائف الإسرائيلية في غزة – (أرشيفية)

ستانلي كوهين* - (كاونتربنتش) 13/4/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعرض نفسها كديمقراطية تحت الحصار، تخلت إسرائيل منذ وقت طويل عن أي تظاهر بالمساواة والعدالة في سياق عطشها الذي بلا حدود للاستيلاء على أي شيء صغير تبقى من فلسطين، بينما تتعجل تكوين دولة عنصرية يهودية تتمتع باعتراف قانوني في مساعيها. ولم يكن هذا الاتجاه من التفوقية العرقية مدفوعاً بمجرد مرور الوقت أو بسبب فقدان الاهتمام لدى المجتمع الدولي وحدهما. فعلى طويل الطريق، بكل تأكيد، وبسبق القصد والإصرار، استغلت إسرائيل بنجاح جهل الغرب وخوفه من المجتمعات العربية والإسلامية. وفي الفترة الأخيرة، عثرت على شريك راغب بين بعض الدول العربية التواقة إلى التحول من وكيل إلى شريك كامل، لأن هذه الدول ملت من "المعضلة" التي هي فلسطين.
*   *   *
"كانت الخطايا التي نسعى إلى إدانتها ومعاقبة مرتكبيها محسوبة للغاية، وخبيثة للغاية، ومدمرة للغاية، حتى أن الحضارة لا تستطيع أن تتسامح مع تجاهلها، لأنها لا تستطيع أن تنجو من تكرارها".
بهذه الكلمات القوية، افتتح روبرت هـ. جاكسون، المستشار الرفيع للولايات المتحدة، محاكمات جرائم الحرب في نورمبرغ بألمانيا، بعد وقت قصير من انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بعد تكليفها بمحاسبة القادة العسكريين والسياسيين والقضائيين عن انتهاكات للقانون الدولي، بما فيها ارتكاب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية وقانون الحرب، فرضت محاكمات نورمبرغ المساءلة الشخصية عن الإبادة الجماعية الموجهة إلى اليهود والآخرين الذين صنفتهم الحكومة الألمانية على أنهم يشكلون تحدياً لتفوقها العرقي والديني والسياسي.
على الرغم من أن هذه الجرائم اتخذت العديد من الأشكال، فقد استمدت كل منها في جوهرها الشر من نقطة تقاطع مشتركة؛ حيث لم يكن أولئك الذين استهدفتهم الدولة بالاستئصال يعتبرون أدنى وأقل شأناً فحسب، وإنما اعتُبروا غير جديرين بالحياة نفسها. وتم اختزال الرجال والنساء والأطفال، والصغار والكبار، إلى ما لا يزيد على مواضيع لاستهزاء سوريالي، والذي شوَّه وجوده في حد ذاته العدسات التي تنظر من خلالها الدولة ذات النزعة التفوقية إليهم.
ليس ثمة سر في حملة الإرهاب التي شنها الرايخ الثالث، والتي ابتلعت الدول وأطلقت عنفاً دولياً ليس له مثيل سابق ولا لاحق. كما أن أدوات تلك الحملة من الحرب المفتوحة ضد العسكريين والمدنيين على حد سواء، ليست موضوعاً لأي جدل جدي. وفي حين قد يختار البعض التشكيك في عدد الضحايا أو في إعادة توصيف الأدوات الدقيقة للاضطهاد، فإنه ليس هناك أي مراقب جاد للتاريخ، والذي يمكن أن يشك في الدور الذي لعبته السيارات الصندوقية والغيتوهات والحصارات والأفران، التي استخدمت في محاولة واعية لإسكات تنوع الحياة، بينما أدار جزء كبير من العالم وجهه إلى الناحية الأخرى.
لم يتكشف ذلك الهجوم على الإنسانية بين عشية وضحاها، أو يأتي من فراغ في انبجاسة مفاجئة. لقد جاء في أعقاب عملية إعادة كتابة محسوبة ومنفذة جيداً للتاريخ، في إعادة تصوير بطيئة -وإنما ثابتة- لشعوب بأكملها، وتجريدها من تاريخها، وثقافاتها وغاياتها الجماعية وأخلاقياتها.
سرعان ما تحول ما كان قد بدأ بإحراق الكتب وإسكات الصحافة إلى امتداد ناجح للدعاية التي ألقت بظلال قاتمة على ملايين الناس الذين كانت خطيئتهم هي التحدث بلغة مختلفة، واعتناق دينٍ آخر أو المطالبة بالعدالة. وبمجرد أن أصبحنا هناك، لم تكن قد تبقت سوى مسيرة صغيرة نحو الهجوم العدواني وما هو أسوأ.
تكرار التاريخ
بوعي، وضمير ورؤية، كشخص خارجي ينظر إلى الداخل، اليوم، من المستحيل ببساطة أن لا ينتاب المرء شعور ساحق بالاشمئزاز -إذا كان كائناً يحس ويهتم- عندما يُجري فحصاً صادقاً لما يحدث في إسرائيل.
انسوا أمر الإنسانية والتعاطف مع أي فكرة واسعة عن الغاية الجمعية المستنيرة. في الوقت الراهن، اختزلت إسرائيل أحجاز الزاوية تلك، لتتحول عن اللياقة الأساسية إلى قصة خيالية مختلقة... إلى رواية ناجحة عن الوجود المنحرف الذي يسحق الحقيقة والعدالة باعتبار أنهما ليستا أكثر من عوائق مملة أمام برنامجها العرقي والعنصري الخاص -الذي أصبح الآن بعمر عقود- ضد الآخرين.
وإسرائيل ماهرة فيما تفعله، بحق الشيطان. كلا، لا أتحدث عن مجازرها، وتعذيبها واعتقالها التي بلا نهاية، وسرقتها الأرض؛ فهذه مسلمات. ثمة سجل مظلم، ومعلن جداً، وفخور تقريباً من "الإنجازات"، والذي لا يُضاهى بشكل أساسي عندما يأتي الأمر إلى الازدراء الحالي للأعراف والقوانين الدولية.
مثل أولئك الذين سبقوها، فإن ما تبرع فيه إسرائيل حقاً هو الكذبة الكبرى.. إعادة كتابة التاريخ بطريقة مرضية للذات؛ اختلاق الذرائع؛ القدرة على إعادة تصوير الأمس، واليوم، والغد بالتأكيد، على أنها رحلة إجبارية ملزِمة مدفوعة بالواجب، والتي لا تكون فيها أي فظاعة خارج السلوك المقبول، ولا جريمة مفرطة في القسوة، ولا إساءة مفرطة في الإهانة. ودائماً، بطبيعة الحال، لك أن تلقي بتعويذة البقاء على قيد الحياة. وهي مهارة، وشكل فني من التحايل السياسي، والذي يقوم بتحويل الحقيقة غير المريحة إلى دوغما؛ إلى عقيدة متزمتة خادمة للذات، بما ينطوي عليه ذلك من التداعيات المميتة التي يمكن توقعها تماماً.
على النقيض من ذلك النظام المستبد النادر المتفجر أو العابر، برعت إسرائيل في سيطرتها المتقنة على الواقع الانتقائي بطرق اختبرها الزمن، وإلى حد لا يقل عن الأستاذية المطلقة. وقبل وقت طويل من اكتشاف أنثروبولوجيي الأمم المتحدة دولة أوروبية وسط تاريخ عربي، أتقن الصهاينة مهارة الخديعة العملية المُحكمة.
وهكذا، قبل نحو مائة عام، أصبح يُحتفى بالإرهابيين الأوروبيين باعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية، بينما يذبَحون الفلسطينيين وهم نيام في فراشهم والأطفال في أسرتهم. وتم عرض النكبة، الخروج القسري لما يقرب من مليون فلسطيني، والتي تسبب بها الاغتصاب الجماعي والقتل، بهدوء تاريخي، على أنها انتقال طوعي... حركةٌ قام بها القرويون القلقون من أجل العثور على زمن أفضل في مكان أفضل. والكيبوتسات -تلك الكوميونات الاشتراكية المستنيرة التي أزهرت، كما لو بعصا سحرية، وسط الصحارى القاحلة منذ زمن طويل. أفلا يمكن أن يكون ركام القرى الفلسطينية القديمة التي بعمر قرون والرفات المتحللة لأهلها هي التي تقبع مباشرة تحت قشرة الرمال؟
المستوطنات، التي تشكل فرصة توظيف لقوة العمل المضطربة المحتاجة إلى الغاية والانضباط. حصار غزة... الذي ليس بأي حال من الأحوال حظراً مقصوداً على الغذاء والدواء والماء والكهرباء والحركة من أجل كسر إرادة المليونين من سكانها، وإنما هو يد العون السخية التي تقصد إلى تحريرهم من قيود رؤيتهم البدائية ومن إرهاب حماس.
بعرض نفسها كديمقراطية تحت الحصار، تخلت إسرائيل منذ وقت طويل عن أي تظاهر بالمساواة والعدالة في سياق عطشها الذي بلا حدود للاستيلاء على أي شيء صغير تبقى من فلسطين، بينما تتعجل تكوين دولة عنصرية يهودية تتمتع باعتراف قانوني في مساعيها. ولم يكن هذا الاتجاه من التفوقية العرقية مدفوعاً بمجرد مرور الوقت أو بسبب فقدان الاهتمام لدى المجتمع الدولي وحدهما. فعلى طويل الطريق، بكل تأكيد، وبسبق القصد والإصرار، استغلت إسرائيل بنجاح جهل الغرب وخوفه من المجتمعات العربية والإسلامية. وفي الفترة الأخيرة، عثرت على شريك راغب بين بعض الدول العربية التواقة إلى التحول من وكيل إلى شريك كامل، لأن هذه الدول ملت من "المعضلة" التي هي فلسطين.
في إسرائيل وفي المناطق المحتلة، يستمر تكوين فهرس الرواية البديلة بلا انتهاء. بصفعة، بطعنة، بكتاب، بقنبلة؛ بصلاة، باستفزاز، ابتلعت الرواية الصهيونية منذ ذلك الحين أي مظهر من مظاهر الصلة، ناهيك عن الواقع والحقيقة. ومع ذلك، ومنذ زمن سحيق، رمش العالم وجمد في مكانه، وتسمّر أمام الدفق المستمر من الدعاية، سواء تلك التي يتم اختلاقها في الوطن أو صداها الذي يتردد في الخارج.
مع ذلك، في الأيام العشرة الأخيرة، شرع ذلك السد الأخلاقي في الانهيار بينما تزيح رياح الحقيقة القناع عن الكراهية التي هي إسرائيل في حقيقة الأمر. خلال هذا الوقت، سار عشرات الآلاف من المتظاهرين السلميين غير المسلحين نحو حواجز سجنهم في غزة، فقط ليُقابَلوا بالمذبحة.
من غير الضروري أن نكرر، بالكامل، قصص المذبحة الأخيرة التي نشأت عندما أعلن مئات القناصة، والطائرات المسيرة والدبابات، وبدقة قاتلة، أن جميع الفلسطينيين هم أهداف عادلة بسبب لا شيء أكثر من الصوت. وعندما انجلى الغاز المسيل للدموع، كان "المحظوظون" من الشباب، والنساء والأطفال، والشيوخ والصحفيون، على حد سواء، يستلقون وقد شلَّ أطرافهم نوع من الهجوم الكيميائي، مشابه للاستخدامات السابقة المتكررة التي تم الإبلاغ عنها منذ العام 2001، والتي سرعان ما تتسبب للضحية بالتقيؤ والارتعاش اللذين لا يمكن السيطرة عليهما.
وبالنسبة لآخرين، كانوا أقل حظاً، استلقى الآلاف وقد أدمتهم الذخائر المتفجرة عالية السرعة التي صممت لتمزيق الجلد وتدمير الأعضاء. وقد قتل نحو واحد وثلاثين شخصاً، وأصيب جميع الضحايا تقريباً في الجزء الخلفي من الرأس أو الجذع.
ما الذي في مسيرة سلمية، ورفع علم وطني، وترديد أغاني الدبكة والرقص، والذي يغضب إلى هذا الحد قوة احتلال بحيث تأمر قناصتها بإطلاق النار المستهدفة المميتة، كما لو أنها محاطة بجيش هائل التسليح من المقاتلين الأعداء؟
القانون
وفق القانون الدولي، تشمل الجرائم ضد الإنسانية "القتل أو الأفعال اللاإنسانية الأخرى التي يتم ارتكابها ضد أي سكان مدنيين... عندما يتم ارتكاب هذه الأعمال أو ممارسة هذا الاضطهاد بذريعة، -أو بالارتباط بـ- أي جريمة ضد السلام أو أي جريمة حرب".
جريمة الحرب هي فعل يشكل "انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب التي تؤدي إلى مسؤولية جنائية فردية، والتي تشمل قتل المدنيين عمداً... وتدمير الممتلكات المدنية... وارتكاب انتهاكات جسيمة لمبادئ التمييز والتناسب، من نوع القصف الاستراتيجي للسكان المدنيين".
وبموجب قانون الحرب، تخضع الضرورة العسكرية للعديد من القيود: يجب أن يكون الهدف من الهجوم أو العمل العسكري هو المساعدة على هزيمة العدو؛ ويجب أن يكون ذلك هجوماً على هدف عسكري مشروع، ويجب أن يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين أو الممتلكات المدنية متناسباً وليس مفرطاً فيما يتعلق بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
وفق القانون الدولي، يشكل التناسب مبدأ يحكم الاستخدام القانوني للقوة في نزاع مسلح؛ حيث يجب على المتحاربين التأكد من أن الضرر الذي يلحق بالمدنيين أو الممتلكات المدنية ليس مفرطاً بالعلاقة مع الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة من هجوم على هدف عسكري مشروع.
وأخيراً، هناك "حقيقة أن شخصاً تصرف عملاً بأمر من حكومته أو رئيس أعلى منه لا تعفيه من المسؤولية وفق القانون الدولي، شريطة أن يكون الخيار الأخلاقي متاحاً له في واقع الأمر".
ويعني ذلك أنه ليس من المقبول الدفاع بأن نقول ببساطة "كنتُ أتبع أوامر رؤسائي فقط".
على مدى سنوات، وبينما يناقش البعض مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي، وقف الكثير من أجزاء العالم صامتاً، وبالتالي متواطئاً إلى حد كبير بينما ترتكب إسرائيل انتهاكات لا توصف ضد سكان مدنيين إلى حد كبير في فلسطين.
وعلى الرغم من أن تطبيق القانون على الحقائق يكون في كثير من الأحيان غير دقيق، إن لم يكن معقداً، فإنه ليس شيئاً سحرياً. في بعض الأحيان، يمكن أن تؤدي قراءة واضحة للمواثيق القانونية الراسخة جيداً في ضوء الأحداث المطروحة، إلى تكوين نظرة غير ممارِسة، وإنما مبدئية، لاستنتاج أن انتهاكات القانون الدولي قد حدثت فعلاً.
لم يسبق أن كانت لامبالاة إسرائيل بالقانون الدولي أكثر وضوحاً، ومرئية جداً، وغامرة جداً كما كانت عبر عدسة مذابحها المتكررة على مدى الأيام العشرة الأخيرة في غزة، عندما سار آلاف المدنيين وتظاهروا بشكل سلمي، فقط ليقولوا "كفى".
الآن، بعد أكثر من 70 عاماً من الأحكام التي صدرت في محكمة نورمبرغ، نقف شاهدين على مفارقة لا يمكن إنكارها عندما أصبح نفس أولئك الذين كانوا قبل وقت طويل ضحايا لأفكار التفوق العرقي والديني والسياسي، أتباعاً راغبين ومكرسين لنفس تلك العقيدة الشريرة.
في الكلمات التي هزت صمت قاعة المحكمة من جلالة اللحظة التي مررها بها مدعي عام جرائم الحرب، روبرت هـ. جاكسون، إلى الأجيال المقبلة، ثمة تذكير بفكرة الالتزام التي لا تنفصل عن الإنسانية:
"يجب أن لا ننسى أبداً أن السجل الذي نحكم منه على هؤلاء المُدانين اليوم هو نفس السجل الذي سيحكم علينا التاريخ منه غداً".

*محامٍ وناشط من مدينة نيويورك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: When Zionism Rubs Up Against Reality

التعليق