"روبرت بوش" في عمان.. فرص سينمائية للمخرجين الأردنيين والعرب

تم نشره في الثلاثاء 24 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • مشهد من "الببغاء"-(أرشيفية)
  • مشهد من فيلم "آخر أيام رجل الغد" -(أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- تتيح الإنتاجات السينمائية المشتركة الفرصة لصناع الأفلام من مخرجين ومنتجين لترى أعمالهم النور، وبخاصة مع صعوبة الحصول على تمويل في هذا القطاع الضخم الذي يشهد منافسة كبيرة.
وفي إطار التعاون بين الهيئة الملكية للأفلام ومؤسسة "روبرت بوش ستيفتونغ"، والشراكة التي تجمعهما منذ العام 2012، لدعم التعاون بين صناع الأفلام الأردنيين والعرب من جهة، والألمان من جهة أخرى، لإقامة سوق مشاريع عمان، فإنها تتيح الفرصة لنحو 20 مخرجا من الدول العربية لمقابلة نحو 15 منتجا ألمانيا في خمسة أيام ضمن برنامج متنوع للتعرف على أعمالهم والتعريف بمشاريعهم وتبادل الخبرات، ما يكسبهم خبرة في سوق الإنتاج العالمي المشترك.
هذا النوع من الاجتماعات والفعاليات يفتح آفاقا للمشاركين من صناع السينما الشباب الباحثين عن فرص، ويتيح لهم فرص اكتساب خبرات عالمية من خلال الكفاءات التي يجتمعون بها.
وفي إطار تعزيز الإنتاجات العربية الألمانية المشتركة، قدمت ثلاثة نماذج عربية فازت بجائزة الفيلم من المؤسسة الألمانية، منها فيلم "الببغاء" وفيلم المخرج اللبناني فادي ياقي الفدز "آخر أيام رجل الغد" وفيلم "تشويش" لمخرجته اللبنانية  فيروز سرحال، التي عرضيت أول من أمس في مسرح الرينبو
ففيلم "الببغاء"، يستحضر المخرجان دارين سلام وأمجد رشيد، في قالب كوميدي لا يخلو من السخرية، الهوية الفلسطينية بوجه عميق، حين يعودا بالذاكرة لأحداث تقع في حيفا العام 1948.
وكان العرض العالمي الأول للفيلم في الدورة 13 من مهرجان دبي السينمائي الدولي ضمن مسابقة المهر القصير؛ حيث سيطرت الرموز والمفارقات البصرية على الفيلم في 18 دقيقة، وإن ضاقت بكل تلك التفاصيل التي مثلت احتلال عائلة يهودية مرزاخية من المغرب منزل عائلة فلسيطينية مسيحية، مظهرا الفروقات بين العائلتين بذكاء.
والبطلان الفلسطيني أشرف برهوم بدور "موسى"، والممثلة التونسية هند صبري "راشيل" وابنتهما "عزيزة" التي تؤدي دورها ياسمين بن عمارة، من اليهود الشرقيين يحتلان منزل عائلة أرستقراطية.
والفيلم يحكي رحيل عائلة فلسطينية تركت بيتا يعبر عن قيم وجمال وارتباط وثيق بالمكان والأرض مقابل تلك الأسرة اليهودية بعد اغتصاب فلسطين في 1948؛ حيث حصلت على البيت بالرشوة والمحسوبية ضمن سياسة الاحتلال الصهيوني في الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين بعد تهجيرهم بالقوة والعنف.
الأحداث كافة تقع داخل أسوار المنزل الأنيق، في عنصر المفاجأة الذي تقع فيه هذه العائلة التي تتصادم مع روح المالكين الأصليين، وإن تغير السكان، وهي أول إشارة لقوة الجذور الفلسطينية التي لا يمكن للاحتلال اقتلاعها.
والإشارات البصرية والرمزية العالية التي يتمتع بها "الببغاء" بشكل مكثف جعلت من دقائقه تضيق بها، لكنه في الوقت نفسه حافظ على سرديته الجميلة بشكل ذكي، وهما تفصيلان مهمان؛ الأول منها يعبر عن علاقة الفلسطينيين واليهود، والثاني يمثل نظرة اليهود لبعضهم بعضا والفروق بين يهود الغرب والشرق.
أجواء الفيلم هادئة بصمت، من خلال قضية حساسة بجمل حوارية قصيرة وأجواء فيها من روح الفكاهة بسخرية سوداء من هذا الواقع المعاش في تعدد لغوي يمزج بين العربية واليديشية والعبرية.
وتتوالى المشاهد التي تحاول فيها عائلة موسى، طمس أي هوية وأثر خلفته العائلة الأرستقراطية، وهي تمثل الجذور القوية والأرض والانتماء، فهم قدموا بدون أي حق وإرث وسكنوا في منزل ليس من حقهم.
تفاصيل هنا وهناك تعكس مفهوم العائلة الكبيرة، وهي أبرز سمات العائلات الفلسطينية وكثرة أفرادها مقابل عددهم الثلاثي، فيما محاولة إزالة صور العائلة التي زينت الجدار لتزال ويحل مكانها رموز يهودية لم تتمكن من ملء وإخفاء أثر صورة عملاقة لمالك المنزل.
وضمن تلك التفصيلة أيضا حضر "الببغاء"، الذي يحمل الفيلم اسمه، وهو عنصر الحياة الذي أرق وجود عائلة موسى المرزاخية في المنزل الفلسطيني، فهو لا يتحدث سوى بضع كلمات عربية، لكنها شتائم جريئة يرددها في كل مرة أراد أحدهم أن يغير شيئا في المنزل، فكان ككابوس ينغص حياة تلك الأسرة ولا يملكون أي حيلة في التعامل معه، ليتسبب في سلسلة من الأحداث اللاحقة التي تفقدهم صوابهم.
أما التفصيلة الثانية فتتمثل في العنصرية اليهودية إزاء بعضهم بعضا، لا سيما بين التقسيمات الاجتماعية بين الأشكناز وهم اليهود القادمون من أوروبا والسفارديم القادمين من البلقان والبرتغال وإسبانيا، فيما الأقل منزلة هم اليهود الشرقيون في الشرق الأوسط وفي الفيلم مثلهم المرزاخيون.
وكانت هذه العنصرية حاضرة منذ المشهد الأول لحظة دخول العائلة المرزخية للمنزل الفلسطيني، بمرافقة الجندي الإسرائيلي الذي أشار وبوضوح لكونهم محظوظين في الحصول على هكذا مكان، لأن مثله يمنح فقط لليهود القادمين من الغرب كنوع من الامتيازات التي تدفعهم لترك مكانهم والقدوم لفلسطين.
أما فيلم "آخر أيام رجل الغد"، فيتناول قصة مخرجة شابة، تسعى إلى إنجاز فيلم وثائقي عن أسطورة منسيّة تخص مانيفيل، الإنسان الآلي الذي تم إهداؤه إلى مدينة بيروت بمناسبة الاستقلال في العام 1945، والذي ما يزال مركوناً في مكان مهجور في بيروت.
ويواكب الفيلم يوميات رجل الغد، الخارج من عزلته ليخبرنا عن سيرته ويتعرف على لبنان اليوم. وسرعان ما تتعارض ذكريات مانيفيل مع الواقع كما يرويه من عرفوه في ماضيه.
أما أحداث فيلم "تشويش" فتقع في فترتين؛ الأولى العام 1982 خلال الحرب الأهلية والثانية العام 2016 خلال العدوان الإسرائيلي على بيروت لتوضيح معاناة المواطن اللبناني ما بين الحرب الداخلية والخارحية. الفيلم سيناريو وإخراج فيروز سرحال وتصوير باسم فياض، وتدور أحداث الفيلم حول الوقت الذي يترقب فيه العالم بأسره انطلاق صافرة حكم المباراة الافتتاحية لكأس العالم، ينشغل سكان بيروت في تعديل هوائيات القنوات التلفزيونية والإذاعية، لكن موجات صوتية غامضة تعترض البث فجأة فيتسلل الإحباط إلى كل من كان ينتظر مشاهدة المباراة، وسرعان ما يجد السكان أنفسهم في مواجهة موقف صعب لم يكن في الحسبان.
ومثل هذا التعاون الذي تقدمه الهيئة الملكية للأفلام بالتعاون مع مؤسسة "روبرت بوش" من خلال خمسة أيام، يشكل فرصا متعددة لصناع الأفلام من الوطن العربي وألمانيا للتعرف على بعضهم وللتعريف بمشاريعهم والتحدث بتفاصيلها ولتبادل المعرفة والخبرات، كما ساعدت النشاطات المشتركة والرحلات على تقوية هذا التعارف الجديد.
وفي حين أنها قد لا تسفر الاجتماعات بين المخرجين والمنتجين بالضرورة عن شراكة أو تكوين فريق، لكنها تساعد على كسب خبرة سوق إنتاج مشترك عالمي بالإضافة إلى التشبيك. في حال تم تشكيل فريق، تكون قد تحققت الخطوة الأولى في تحضير طلب مشترك للترشح لجائزة الفيلم الخاصة بمؤسسة "روبرت بوش".

التعليق