العنف المدرسي: حلول ومقترحات (4 - 4)

تم نشره في الثلاثاء 24 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *

تناولت المقالات الثلاثة السابقة التمييز بين العنف كظاهرة والعنف كسلوك فردي، وقلنا إنه لن يكون العنف ظاهرة جمعية إلا إذا كانت ثقافة المجتمع وثقافة المدرسة ثقافة تشجع العنف وتدعمه.
ولا شك أن هناك عوامل اجتماعية وتربوية تشجع بعض جوانب العنف، ولكن العنف لن يكون ظاهرة اجتماعية، بمعنى أنه يمارس من كل طالب، أو مقبول من الطلبة ومعلميهم وأهاليهم.
كما تناولت المقالة الثانية تحليل تعليمات الانضباط المدرسي الصادرة عن وزارة التربية حيث تطبق في جميع مدارسنا. وقلنا إن هذه تعليمات ضبط وليست انضباطاً وإنها مليئة بمصطلحات هيئة التحقيق وسجلات التحقيق، والنقل والإنذار والفصل وغير ذلك، حيث يظهر أنها لن تنجح في بناء الانضباط الذاتي، بمقدار ما تصنع خوفاً ورعباً لاحترام القانون.
أما المقالة الثالثة فتناولت سيكولوجية الطالب العنيف، وقلنا إنه يمتلك فيضاً في قوى سلبية كالقوة الجسدية والانتماء الفرعي والفردية مقابل فيض من قوى إيجابية كالحب والخير والحق والجمال. وعلى ضوء تلك المقالات، سأقدم مقترحات وحلولاً في هذه المقالة، حلولاً لا تنطلق من فراغ بل مما جاء في المقالات السابقة.
مقدمة ميثاق منظمة اليونسكو
وردت في ميثاق اليونسكو العبارة الآتية: "وكما تبدأ الحرب في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام".
وقد صارت هذه العبارة مصدر إلهام لكل عمل. بل منطلقا لحديث كل متحدث في أروقة اليونسكو، فالسلام يبنى في نفس المكان الذي تنمو فيه الحرب، وهكذا نستبدل السلام بالحرب، وهذا ما نحتاج إليه في  معالجة العنف المدرسي، وهو استبدال الحب بالعنف، وبناء صروح الحب في قلوب الطلاب وعقولهم.
إن بناء السلام يتطلب بناء ثقافة السلام، وهذا ما تسعى اليه اليونسكو، وإن بناء الحب يتطلب بناء ثقافة الحب في القلوب والعقول، وتتطلب بناء ثقافة الحب، استبدال ثقافة العنف، وهذا كي ينجح، لا بد من التحدث عن الإجراءات والمفاهيم التي تزيل ثقافة العنف والكراهية، وإحلال ثقافة التسامح والحب، فما هذه الإجراءات؟
(1) مجتمعات التعلم:
مجتمعات التعلم هي تنظيم للطلاب في مجموعات، تسمى مجتمعات، والفرق بين المجموعة والمجتمع هو في امتلاك المجتمع قيماً وأهدافاً ورؤية ورسالة مشتركة، حيث يصل التضامن إلى أعلى حدوده.
والمجموعة تتألف من أفراد، والمجتمع يتألف من أعضاء، والمجموعة عدد من أفراد، والمجتمع عدد من القيم المشتركة.
إذن تكون مجتمعات التعلم أساساً: - للتعاطف في المشاعر. - للعمل لتحقيق اهداف مشتركة. - للتعليم المتبادل، حيث لكل دور. - لتراجع الفردية أمام الجمعية. - للانتماء وتكوين هوية فريق.
فالعلاقات في مجتمعات التعلم هي علاقات ندية، تشاركية مساواة في القيمة، تبادل للحاجات.
يتكون مجتمع التعلم من 5-8 طلاب، من صف واحد أو من صفوف مختلفة، وذلك يعتمد على المهمة والهدف. وقد يضم مجتمع التعلم  طلاباً وحدهم، أو طلاباً ومعلمين أو طلاباً ومعلمين وأهالي.
وتنظم مجتمعات التعلم، أو المجتمعات المتعلمة، بحيث يكون كل طالب عضواً في مجتمع على الأقل، فقد يكون الطالب عضواً في مجتمع للبحث، وعضواً في مجتمع تطوير المادة الدراسية أو الواجبات أو الأنشطة أو خدمة المجتمع أو مجتمع الفن وغير ذلك.
إذن توفر مجتمعات التعلم: علاقات، مساواة، عدالة، عيشاً مشتركاً، انتماءً، صداقة، هوية، أمناً وحماية.
فالطالب لم يعد فرداً عائماً بما يشكل هدفاً سهلاً للعنف!!
(2) ثقافة السلام:
إن ثقافة المدرسة حالياً ثقافة تشجيع الفردية والتنافس بل تقدم الحوافز للمتنافسين، كما تشجع تصنيف الطلاب إلى فئات حسب مستوياتهم التحصيلية، وقد تخترع معايير اخرى للتصنيف كالمسابقات العديدة، والتي غالباً ما تنتهك قواعد تربوية مثل مسابقات التوفير والنظافة، والتبرعات وبرامج أنت وحظك، وغيرها.. كما تتميز ثقافة المدرسة حالياً بالأمر والطاعة لقوانين لم يسهم الطلاب في وضعها، حيث تعج كل مدرسة بقوائم الممنوعات، مثل ممنوع الركض، ممنوع العلكة، ممنوع التصوير، ممنوع بعض الملابس، وحتى ممنوع الشرب.. الخ.
إن ثقافة الممنوعات رافد مهم لثقافة العنف والخروج عن القانون. حيث تتشكل العصابات الطلابية أساساً لاختراق الممنوعات، ولعل إغلاق أبواب المدرسة من الخارج هو من درّب الطلاب على الهرب من فوق أسوارها.
ان سيادة ثقافة السلام تتطلب وجود رؤيا ورسالة وقيم بنفس الدرجة التي تتطلب مشاركة كاملة من الطلاب في تحديد ملامح هذه الثقافة، فلا يمكن تخيل ثقافة خالية من العنف في مدرسة يسودها جو من الرعب والبحث عن السلام وحسن الختام!!
بل ما معنى مجلس ضبط، وتحقيق، وإنذار، ونقل تأديبي، واخراج لمدة عام أو فصل نهائي من المدرسة؟ هل هذه ثقافة سلام؟؟
وتتطلب ثقافة السلام وجود آليات لحل الخلافات والاختلافات وفق آليات: - الحوار. - المفاوضات. - التسويات. - التنازلات المحسوبة. - التوافق العام.
والابتعاد عن ثقافة الاجماع أو ثقافة التصويت والاغلبية ففي التربية لا قرارات الا بالتوافق والاتفاق.
(3) التوسط بين الرفاق:
ينتشر هذا البرنامج في عديد من الدول المتقدمة تربوياً، حيث تتطوع مجموعة من القيادات الطلابية وبعض المعلمين، بإدارة برنامج للتوسط بين الرفاق حين يواجهون مشكلات أو صراعات أو خلافات.
يستند هذا البرنامج إلى الأسس الآتية: - الطلاب يحلون مشكلاتهم دون تدخلات رسمية. - يحتاج الطلاب إلى مساعدة في حل خلافاتهم. - لا داعي للتدخل الرسمي لحل الخلافات.
يبدأ هذا البرنامج بالطلب من ذوي القدرة التطوع للقيام بدور وسيط. وبذلك تتشكل هيئات وساطة: - بين الطلاب أنفسهم.
- بين المعلمين. - بين الطلاب والمعلمين.
يقوم الوسيط بدور محايد بين المتنازعين وفق المنطق الآتي: - يعرض كل طرف المشكلة كما يراها. - يطلب الوسيط من كل طرف شروطه لحل النزاع. - يبحث الوسيط عن المشتركات. - يعرض الحلول دون أي تدخل منه. - يوقع المتنازعان على اتفاق مكتوب.
ان ميزة هذا البرنامج تتضح مما يأتي: - ينمي قيادات تربوية طلابية. - ينمي ثقافة حل المشكلات دون استخدام العنف.
- ينمي ثقافة قانونية بعيدة عن العنف. - يساعد الطلبة على حل مشكلاتهم بطرق غير رسمية. - يقترح الطلاب الحلول بأنفسهم.
ان المدرسة حين تستخدم هذه البرامج بدلاً من مجلس الضبط فإنها تقدم نماذج إيجابية داخل المدرسة وخارجها.
إن كثيراً من المشكلات يمكن حلها من خلال التفاهم والتفهم المتبادل دون أن تترك آثاراً سلبية على طالب منتصر وآخر مهزوم.
إن ما تحتاجه في مدارسنا تنمية انضباط ذاتي يستند إلى: - عدم التدخل الرسمي. - حل المشكلات بطريقة رابح - رابح.
- نشر ثقافة اللجوء إلى الأطر القانونية.
ومن المهم أن نوضح أن التوسط يختلف عن التحكيم. فالمحكم له سلطة فرض الحل، أما الوسيط فيقتصر دوره على تشجيع الوصول إلى حل، وبذلك يبقى القرار بين الطلاب.


* مجتمع النهضة التربوي.

التعليق