مقدونيا.. عراقة وتاريخ وحضارة

تم نشره في الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • منظر عام من مقدونيا - (أرشيفية)

د. مؤمن أبوعرقوب*

ذكرت المصادر والمراجع البيزنطية، أن عديداً من القبائل السلافية استوطن المنطقة الجنوبية من شبه جزيرة البلقان، والمعروفة حالياً باسم مقدونيا. والتطور التاريخي للقبائل السلافية في منطقة مقدونيا كان متأثراً بظروف التطور الاجتماعي الداخلي في وطنه الجديد وبالوضع الجغرافي السياسي بمنطقة البلقان.
إن التعارف الأول بين العرب وبين السلاف الجنوبيين، ومنهم المقدونيون، تم لأول مرة على الحدود بين الدولة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية التي كانت وطنت هؤلاء السلاف داخل حدود إمبراطوريتها وطعمت بهم جيشها واشتركت بهم في محاربة العرب، كما أن بعض الروايات التاريخية تثبت أن بعضاً من السلاف اشترك في جانب العرب.
وتسجل كتب التاريخ أن أول اتصال مباشر بين العرب وبين السلاف الجنوبيين تم في بداية القرن السابع الميلادي، وبالتحديد في 629م، على الحدود بين الإمبراطورية البيزنطية وبين الدولة الإسلامية، وبالتحديد في الجنوب الشرقي من البحر الميت، وكان العرب يهدفون من وراء هذا الهجوم الى توفير الأسلحة التي كان يتم صنعها في تلك المنطقة وفي المدن المجاورة.
جرت معارك مريرة بين الجيش البيزنطي بما فيه من جنود من السلاف الجنوبيين وبين الجيش العربي الإسلامي من أجل كل شبر من الأرض في عهد الأمويين والعباسيين. وحتى بداية القرن العاشر، كانت تتكرر كل عام تقريباً الهجمات من الجانبين ويتم أسر الجنود وتبادلهم.
ومن المؤكد أن هذا كان يؤدي الى حدوث اتصالات مباشرة بين العرب وبين السلاف الجنوبيين، وبالتالي المقدونيين، وانعكس هذا فيما بعد على القصائد والحكايات الشعبية وعلى الأدب اليوغسلافي بوجه عام. ورغم كل هذه المعارك فقد كان يتم عبور هذه الحدود أيام السلم أيضاً وهكذا كان يتم بلا عوائق تبادل الاتجاهات الروحية والأفكار وأسباب الحضارة والثقافة.
والسبيل الثاني من السبل المحتملة للتعارف بين العرب وبين السلاف الجنوبيين وبالتالي المقدونيين، هو منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط؛ إذ إنه من الحقائق المؤكدة أن الهجمات العربية على بحر الأدرياتيك خلال القرن التاسع الميلادي، استمرت قرنين كاملين على فترات زمنية متقطعة. ولا ريب أن هذه الهجمات أثبتت بروز عنصر خارجي جديد له قوته، مما سيؤثر فيما بعد على تاريخ دول بحر الادرياتيك. وجرت معارك قاسية بين البيزنطيين والفرنجة والعرب على شواطئ بحر الادرياتيك في إطار الصراع الاستراتيجي والعسكري في منطقة البحر الأبيض المتوسط من أجل التجارة بين غرب أوروبا والشرق في هذه المنطقة، علاوة على أن العرب كانوا يريدون في الآونة نفسها بهجماتهم على بحر الادرياتيك أن يهددوا النفوذ البيزنطي آنذاك.
والسبيل الثالث عن طريق الدولة الفاطمية في مصر، فقد قام تجار الدولة الفاطمية بدور بالغ الأهمية في التجارة بين مصر والهند وكذلك مع أوروبا. وكان يوجد هنا عدد من المماليك السلاف. وكان لدى الخليفة المهدي حرس خاص أغلبهم من السلاف القادمين من سواحل شبه جزيرة البلقان. وعلاوة على ذلك، فقد كان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، يعرف إحدى اللغات السلافية، وهذا يؤكد وجود عدد كبير من الجنود والضباط من السلاف الجنوبيين لديه.
والسبيل الرابع هو الحروب الصليبية التي اشترك فيها الملك آندريا الثاني ملك الكروات والمجر، وكانت هذه الحروب تعني الكثير بالنسبة للحضارة الغربية بوجه عام، وهنا لا ننسى المماليك الذي كان من بينهم الروس والسلاف.
والدولة الأموية في اسبانيا هي السبيل الخامس من السبل المحتملة للتعارف بين السلاف الجنوبيين، وبالتالي المقدونيين، وبين العرب. وهنا كانت قرطبة مركزاً للحياة الثقافية والروحية بالغرب الإسلامي كله وكان عدد السلاف الجنوبيين بها كبيرا وكانوا يشكلون الحرس الخاص لبعض الحكام مثل الخليفة الحكم والخليفة عبد الرحمن الثالث.
وبوجه عام، كان الدور السياسي للسلاف الجنوبيين في اسبانيا كبيراً للغاية. وكان منهم بعض المقاتلين والحكام أصحاب القصور الرائعة. وعلى الصعيد الثقافي، يوجد عدد من الشخصيات السلافية التي برزت بفضائلها وخدماتها، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، هرمان الدلماسي الذي يقال عنه أول من ترجم القرآن العربي الى اللغة اللاتينية.
ولا خلاف على أن الحروب المديدة المتواصلة التي اشترك فيها العرب والسلاف الجنوبيين، وبالتالي المقدونيين، سمحت بعلاقات متنوعة ومتميزة بينهما. ومن المعلوم أن الحياة المشتركة تفرض على المتحاربين في بعض الأحيان، أن يتصلوا ببعضهم بعضا وأن يتعارفوا في جميع المجالات الممكنة والمتاحة وبمختلف الأشكال. وهذا يدفعنا ببساطة الى الاستنتاج بأنه عن طريق هذه السبل تعرف السلاف الجنوبيين على الأدب والحضارة العربيتين، وبالتوازي مع كل هذا كانت الخبرات والتقاليد الشعبية تنتقل من العرب الى السلاف الجنوبيين في وقت الحرب، وكذلك في وقت السلم.
مسألة المقدونيين
نتيجة للأحداث التاريخية المؤسفة التي مرت بها مقدونيا تاريخيا، هناك مقدونيون يعيشون خارج مقدونيا الحالية. ونتيجة لهذه الأحداث فقد المقدونيون وحدتهم الجغرافية والاقتصادية وتفرق شملهم وفقاً لشريعة الغاب التي تنص على أن الأقوى هو الذي يملك الحق على الدوام. وقبل هذه الأحداث التاريخية والحروب، كان المقدونيون عنصراً مسيطراً في مقدونيا، ولكن فيما بعد وجدوا أنفسهم أشخاصاً غير مرغوب في وجودهم بأرضهم، ووجدوا أنهم أصبحوا أقلية داخل حدود الدول المجاورة التي لم تبد تفهماً لنضال الشعب المقدوني ولأفكاره القومية.
بل على العكس من ذلك، حاولت هذه الدول المجاورة، بقدر استطاعتها وعن طريق مختلف الأعمال المنظمة للإقناع والإرهاب، ضم المقدونيين إليها واعتبارهم رعايا تابعين لها. وإذا لم يفعلوا ذلك فإنها تطردهم من ديارهم. ومن ناحية أخرى، أصبحت المشكلة المقدونية سبباً مستمراً لسوء الظن ولتدهور العلاقات بين جمهورية يوغسلافيا الفيدرالية الاشتراكية وبين تلك البلاد التي يوجد بها مقدونيون. وبدلاً من أن تكون الأقليات المقدونية معبراً للتفاهم وجسراً للصداقة بين دول البلقان أصبحت حجر عثرة أمام تحسن هذه العلاقات، بل إنها غالباً ما تؤدي الى برود العلاقات المتبادلة، وقد حصلت اليونان بعد الحروب البلقانية على حوالي 34.356 كيلومتراً مربعاً من الأراضي التاريخية المقدونية وعلى ما يزيد على مليون من السكان، منهم حوالي 328.371 من المقدونيين و314 ألفاً من الأتراك المسلمين، وتتمثل المشكلة الحالية في أن هذه الجالية المقدونية الكبيرة التي تعيش الآن داخل الحدود اليونانية محرومة من ممارسة حدودها القومية. وتعتبر اليونان أن هؤلاء السكان المقدونيين التابعين لها سكان يونان ولا تعترف بلغتهم القومية المقدونية، كما لا تسمح لهم بالتعليم بلغتهم القومية أو استخدامها في التعبير عن أي شيء أو في التعامل بها، وتعاملهم على أساس أنهم من رعاياها اليونانيين.
ما حدث للمقدونيين الموجودين في المنطقة على بحر آيجه، حدث أيضاً للمقدونيين الموجودين في المنطقة المقدونية الواقعة عند جبل (بيرين) والتي تتبع بلغاريا في الوقت الحالي. فبلغاريا لا تعترف بوجود قومية مقدونية وتعتبر السكان المقدونيين من رعاياها البلغاريين، وذلك لكي تتجاهل حقوق المقدونيين الذين يعيشون على أرضها، وهذا ما تفعله أيضاً مع المسلمين البلغاريين من أصل تركي الذين يعيشون داخل حدودها الإقليمية.
ومن الطريف أن ننوه إلى أن هذه المشكلة لم تكن متواجدة خلال السنوات الماضية بين يوغسلافيا وبلغاريا. وهناك ألف دليل ودليل على أن المقدونيين كانوا يتلقون تعليمهم بلغتهم القومية المقدونية ويمارسون أنشطتهم بها ويستخدمونها في التعبير عن أنفسهم وفي المعاملات المألوفة. إلا أن الحال تغير في السنوات الأخيرة وأصبحت بلغاريا لا تعترف بجمهورية مقدونيا اليوغسلافية.
والحقيقة أن عدم استعداد الجانب البلغاري لتنظيم أحوال الأقلية المقدونية الموجودة في بلغاريا وفقاً للقوانين الدولية ولمواد معاهدة السلام الموقع عليها مع بلغاريا في 1947، وفقاً أيضاً للدستور البلغاري وللتشريعات البلغارية الصادرة في ذلك الحين. وعلى أساس الاحترام المتبادل لحق كل دولة باتخاذ ما يلزم من القرارات الخاصة بشؤونها الداخلية. وفي هذا المضمار، لا يمكن فهم نكران وجود الشعب المقدوني كله إلا بأن بلغاريا تخفي مطامع إقليمية تجاه يوغسلافيا بشكل عام وتحديدا مقدونيا.
ومن المعلوم أن جمهورية يوغسلافيا الفيدرالية الاشتراكية آنذاك لا تخفي أي مطامع إقليمية تجاه بلغاريا، وتجلى ذلك في وقت إعداد معاهدة السلام مع بلغاريا، وأيضا في الوقت الحالي في تصرفات المسؤولين المقدونيين وما يدلون به من تصريحات، ولكن هذا الكلام لا ينطبق على بلغاريا التي كانت وما تزال تطمع في اعتبار السكان الموجودين بالمنطقة الواقعة بين اوخريد ونهر الدانوب من رعاياها البلغاريين.
أما الأقلية المقدونية في ألبانيا، فهي أحسن حالا وكان يرى الجانب اليوغسلافي أن التحسين المباشر لحقوق الأقليات القومية في مجال استخدامها للغتها وثقافتها وتلقيها التعليم بلغتها القومية، يعد السبيل الوحيد لتدعيم هذه الأقليات واعتبارها جسورا للربط والصداقة والتعاون.
هناك مقدونيون تركوا بلادهم الى الأبد واستقروا في البلدان الأوروبية في أميركا وكندا وأستراليا وبلدان أخرى عديدة، وفي هذه البلدان كون المقدونيين جاليات قومية أصبح لها مع مرور الزمن كيان اجتماعي وثقافي.
بيد أن نفوس هؤلاء المغتربين المقدونيين لا تعرف البهجة في غربتها، وما تزال صدورهم عامرة بالحب والوفاء لبلادهم والحنين الى وطنهم، ومليئة كذلك بالأسى والألم نتيجة لحياتهم في بيئة أجنبية تغاير بيئتهم وتتباين عنها.
والمغترب المقدوني يحتفظ بعادات بلده وتقاليدها، وذلك لكي يكبت حنينه الى وطنه وإحساسه بالوحدة. ولا شيء يمنعه، عند الاحتفال بمناسبة وطنية معينة، من مشاركة أبناء وطنه وأصدقائه في رقصاتهم الشعبية، وذلك حتى يتذكر ويعيد الى ذهنه موسيقى بلده ورقصاتها. وهذا دليل على أنه في أفكاره ومشاعره ما يزال الشخص نفسه الذي كان حين غادر بلدته.
وأينما كان المغتربون المقدونيون، فهم يعدون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من أفراد الشعب المقدوني، وهذا الإحساس يزيد من ارتباطهم الروحي ببعضهم بعضا ويجمع شملهم بالرغم من أنهم مبعثرون في جماعات صغيرة في جميع أنحاء العالم. وتتوثق علاقاتهم بوطنهم الأم عن طريق الزيارات المتكررة، ويستمدون منها قوة جديدة تكون عونا لهم عند عودتهم الى أماكن عملهم في البلاد الأجنبية.
ولا شك أن التغيرات الثقافية والتعليمية التي جرت في مقدونيا أثرت أيضا على الأقليات القومية الموجودة بمقدونيا. وحققت أيضا الكثير في كل المجالات في الفترة التي تلت استقلال مقدونيا عن الاتحاد الفيدرالي اليوغسلافي بعد 1991. وأصبحت حياتهم أكثر فعالية وتقدما، بل وأكثر بهجة وسرورا، وأصبح هناك أمن وأمان أكبر من أي دولة أوروبية أخرى، والظروف الحالية بمقدونيا تقدم لكل إنسان الفرصة لأن يتقدم وينمي مواهبه وقدراته ومهاراته ولأن يزيد من عطائه.

*جامعة الإسراء- كلية الهندسة

التعليق