إبراهيم غرايبة

الأخلاق: من الدين إلى المجتمع إلى الفرد

تم نشره في الخميس 26 نيسان / أبريل 2018. 12:05 صباحاً


عندما صعدت المجتمعات في مرحلة الصناعة بديلاً للمؤسسات الدينية والإقطاعية كان متوقعاً أن تتفكك المنظومة الدينية والأخلاقية الحامية للقيم والمجتمعات والأعمال، لكنها (المجتمعات) كانت بديلاً كفؤاً وفاعلاً، ولم ينحسر الدين كما لم تتلاشَ الأخلاق، وفي صعود الفردية بديلاً للمجتمعات والدولة فإن الضمير هو الضامن والبديل المتماسك والمتوقع ليعيد تنظيم وتطبيق القيم والأخلاق على النحو الذي تواصل به الإنسانية خط سيرها الطبيعي في الارتقاء والتطور، ولا يخلو المسار بالطبع من المشكلات والأزمات والخسائر، لكن يمكن الاستدلال والملاحظة كيف صعدت على نحو غير مسبوق قيم حقوق الإنسان والحريات والبيئة والعالمية والمشاعية المعرفية، وكيف تتزايد فرص النساء والفئات الخاصة التي كانت مهمشة ومستغلة في الأعمال والمواقع والمساواة والتأثير والتعبير عن ذاتها.
لقد تشكلت المنظومة الأخلاقية السائدة (كانت سائدة) بناء على مصالح المجتمعات والدول، فبالشجاعة والكرم تحمي مواردها وسياساتها وأهدافها، ولم تكن هذه القلاع والهياكل وكذا الأسواق والدفاع والأمن والقيادات الاجتماعية لتعمل لولا منظومات الشجاعة والكرم. هكذا يؤشَّر أيضاً بصعود قيم الثقة والإتقان كرأسمال اجتماعي يحمي المنظومة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة بصعود الفردية كمحرك للأسواق والقيم والسياسة، ففي الأعمال والعلاقات المتشكلة عبر الشبكة أو المستمدة من اتجاهات وتأثير الفرد لا يحمي الأسواق والمصالح الناشئة سوى الثقة والإتقان. فالفرد الذي ينشئ عبر الشبكة أو بذاته مصالحه ويقدم نفسه إلى الآخرين ويعمل ويبيع ويشتري لا يجد ما يديم هذه المنظومة الهشة أو غير المرئية سوى الثقة والإتقان، والأسواق والمؤسسات التي تقدم نفسها اليوم عبر الشبكة تجد نفسها متجهة إلى الفرد، كل فرد على حده لتنال ثقته.
وبالطبع لم تكن منظومة الثقة والإتقان غائبة عن الأسواق والأعمال كما أن الشجاعة والكرم لن تغيب أيضاً في حضارة الفرد ومجتمعاته، لكن يتغير توزيعها وأهميتها الاقتصادية والاجتماعية بل وتتغير معانيها وتطبيقاتها أيضاً، فالكرم يتجلى اليوم أكثر ما يكون في العمل التطوعي والخدمة العامة وتبادل المعرفة والمهارات والتعاون المهني والاجتماعي.
وكما صعد دور الفرد مستقلا عن المجتمعات في مواجهة السلطات والشركات فإنه يصير أيضا مسؤولا عن تشكيل وحماية الأخلاق والقيم السائدة أو القادمة التي تمثل بطبيعة الحال إطارا مرجعيا وتنظيميا للأعمال والمصالح والأهداف السياسية والاجتماعية للدولة والمجتمعات وتنشئة الفاعلين الاجتماعيين وتنظيم المواطنين وضبطهم في سياق القيم والقوانين والتشريعات والعلاقات الاجتماعية والفردية، ولا شك أنها عمليات في مرحلتها الانتقالية مصحوبة بالفوضى والألم، وهو ما يمكن ملاحظته اليوم بوضوح في السلوك الاجتماعي والحياة اليومية، ونشكو منه باستمرار في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
إن القيم والأخلاق لا تهبط من خارج السياق الاجتماعي والاقتصادي القائم و/ أو المتشكل، وفي ذلك فإننا نفكر فيها ولها مقدرين ما يجري من تحولات للموارد والتقنيات ثم ما يصحبها من تحولات اجتماعية واقتصادية، وبرغم الاعتراف بأن الاستجابة الاجتماعية والأخلاقية ليست حتمية أو تلقائية فإنه أيضا لا  يمكن إغفال أنها استجابة لا يمكن أن تكون معزولة عن هذه التحولات.

التعليق