الأسرة درع مجتمعاتنا.. هل نهدمها بأيدينا؟؟

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2018. 12:00 صباحاً
  • من أهداف الأسرة في الإسلام تقوية المجتمع وتكاتفه عبر المصاهرة والنسب

أسامة شحادة

تكشف الدراسات والإحصائيات عن تزايد في حالات الطلاق في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية، وكذلك ارتفاع حالات العزوف عن الزواج لدى الشباب والعنوسة لدى الفتيات، فبحسب دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، ارتفعت حالات الطلاق بين العامين 2011 و2015 بنسبة 37.2 %؛ حيث في 2011 كان عدد حالات الطلاق 16 ألف حالة ليرتفع إلى 22 ألف حالة طلاق في 2015، وقد شكلت حالات الطلاق نسبة 25 % من حالات الزواج في 2015 والتي بلغت 81 ألف حالة زواج.
وهناك أكثر من 5 آلاف حالة طلاق لنساء لم تتجاوز فترة زواجهن سنة واحدة، 67.7 % منهن كان طلاقهن قبل الدخول، و20.2 % بعد الدخول بينونة صغرى، أما الطلاق الرجعي فكانت نسبته 10.6 %، و1.5 % طلاق البينونة الكبرى، هذه الأرقام المرتفعة للطلاق في الأردن جعلته الأول عربياً والـ14 عالمياً من حيث معدلات الطلاق!!
وهذه النسبة الضخمة للطلاق قبل الدخول تدلّ على أزمة في فهم قدسية الزواج ومسؤوليته، وأن قطاعا واسعا من شبابنا وشاباتنا غير مؤهلين بشكل كافٍ لبناء عش الزوجية وإقامة أسرة سعيدة ومستقرة تحقق أهداف الزواج في الإسلام بطاعة الله عز وجل وعبادته عبر الزواج الصحيح وتجنب الزنا والفواحش، ولذلك تميز الإسلام عن غيره من الديانات باحترام العملية الجنسية السليمة عبر الزواج ومنحها الثواب والأجر، بخلاف أديان أخرى ترى ذلك دنسا ونجاسة!! كما أن الزواج يحقق المودة والسكن والراحة مما يشيع الأمن والاطمئنان في جنبات المجتمع، ومن أهداف الأسرة في الإسلام تقوية المجتمع وتكاتفه عبر المصاهرة والنسب، وتكثيره عبر التناسل والتوالد ورعاية النشء وتربيته، ومن هنا كان من معاني كلمة الأسرة، كما في لسان العرب لابن منظور: الدرع الحصين.
ولذلك فإن من دواعي القلق الشديد على سلامة المجتمع تفاقم نسبة غير المتزوجين في الأردن ممن تجاوزوا سن الزواج لنسبة 45 %؛ حيث يوجد حوالي 150 ألف شاب تجاوزوا سن الـ30 وحوالي 100 ألف فتاة تجاوزن سن الـ27 سنة.
وجزء كبير من هذه الظواهر السلبية في مجتمعاتنا هو نتيجة طبيعية لما تعرضت له مجتمعاتنا من تبدلات اقتصادية وثقافية وإعلامية، وهذا لا يقتصر على المجتمعات العربية والإسلامية، بل لقد كانت البداية في المجتمعات الأوربية؛ حيث لما حصلت عندهم الثورة الصناعية أجبرت المجتمع على تبديل عاداته وطرقه حيث دمرت الزراعة والصناعة المنزلية لصالح المصانع الكبرى، وأخرجت الزوج والأبناء للعمل في المصانع بدلا من الحقل، ومن ثم الحربان العالميتان الأولى والثانية فقد فرضت على النساء العمل في المصانع، وخاصة المصانع الحربية، لتعويض نقص العمال الذين قضوا في الحروب، حيث بلغ القتلى عشرات الملايين!
ورافق ذلك انتشار الفكر الشيوعي الداعي لفرض هيمنة الدولة على كثير من القطاعات، ومنها قطاع الأطفال حيث يتم حضانة ورعاية أبناء العاملات في المصانع!
وبالتوازي مع ذلك، بدأ الإعلام بتسويق الحرية الجنسية والاستقلال الاقتصادي للمرأة والأولاد مما فكك الأسرة في الغرب؛ حيث أصدرت المحكمة العليا في أميركا قرارا يسمح بنشر المواد الإباحية في الإعلام بحجة حرية التعبير! ونمت الأفكار المعتمدة على نظرية داروين في تطور الحيوانات ليطال التطور مفهوم الأسرة والزواج عند دوركهايم (توفي 1917) ليطالب بتقبل العلاقات المثلية باعتبارها تطورا! وعليه؛ ظهر في بريطانيا العام 1979 أول تنظيم يدعو لاعتماد الشذوذ بديلا عن الأسرة، التي عدّوها نظاما قيميا تقليديا قامعا بينما الشذوذ نظاما مواكبا وتحرريا! لتصبح هذه الانحرافات مواثيق دولية تقررها الأمم المتحدة منذ العام 1980.
فكانت النتيجة لهذه التبدلات والتوجهات أن أصبحت الرغبة في تكوين أسرة أمراً مخجلاً وفكرة غير عقلانية وتهوراً غير مقبول! وشكلت قيم الفردانية والمتعة والحرية المنفلتة أكبر الدوافع وراء انتشار الجرائم من جهة، والعزوف عن الزواج وتأسيس الأسرة، فزادت حالات الزنا والشذوذ واللقطاء والمواليد غير الشرعيين حتى أعلنت بريطانيا قبل شهور أن عدد المواليد غير الشرعيين فاق المواليد الشرعيين، وتسبب هذا في تفكك المجتمع وزيادة الجرائم والتحرش وإدمان المخدرات، وهو ما صرح به المفكر الشهير صموئيل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات": "يواجه الغرب بطء النمو الاقتصادي، وتوقف النمو السكاني... يواجه الانهيار الاجتماعي والمخدرات والجريمة"، وشرح ذلك بالتفصيل باتريك بوكانن في كتابه "موت الغرب".
هذه كانت تجربة الغرب المرة، واليوم في أميركا، كما يقول المفكر السعودي الليبرالي د. عبد الله الغذامي: "نداءات للعودة إلى نظام العائلة وما تمثله من أخلاقيات وقيم، نداءات تنطوي على خطاب يبكي على زمن العائلة الذي انفرط وانفرطت معه أخلاق الناس وقيم المعاملة، وانعكس ذلك على الشارع الأميركي الذي صار مسرحا يوميا للجريمة والشذوذ والتشرد".
فهل نعيد النظر في منظومة الإعلام والتعليم، وهل هي تعمل باتجاه تعزيز قيمة الأسرة والتوعية السليمة بأسس قيامها والحفاظ عليها، وما هي المعارف والمهارات اللازمة لأزواج المستقبل؟
هل نتعظ من تجربة الغرب فنعمل على الحفاظ على ما بقي لدينا من قيمة الأسرة والزواج، والذي هو في الحقيقة أساس بناء الكون "سبحان الذي خلق الأزواج كلّها مما تنبت الأرضُ ومِن أنفسكم ومما لا يعلمون" (يس: 36)، فلولا الزواج لما بقيت البشرية موجودة!
العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام ليست صراعاً حول القوة، ولا تطوراً حيوانياً، ولا تصادماً طبقياً، بل هي علاقة تمازج وتكامل وتراحم "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" (الأعراف: 189)، فلنحافظ على سكينتنا باتّباع شريعة ربنا بالزواج الصحيح والبعد عن الفواحش، وهذا يحتاج إلى وعي ومعرفة وتعلم وبيئة مساعِدة تقوم بها الدولة بتيسير سبل الزواج وتوفير فرص العمل والسكن وتكاتف المجتمع لمساعدة شبابه وشاباته.

التعليق