إبراهيم غرايبة

استعادة الفكر النهضوي

تم نشره في السبت 28 نيسان / أبريل 2018. 12:09 صباحاً

"منيرفا؛ طائر الحكمة لا يحلق إلا في الغسق؛ أي بعد انقضاء الأحداث" هيغل.
بدا مؤثرا ولافتا أيضا ما تحركه من تداعيات مؤثرة عند مشاهدة أرشيف الفكر النهضوي في الجامعة الأميركية منذ القرن التاسع عشر، ولأن الجديد لا يولد من جديد، لكن من القديم يكون مهما ومفيدا بناء الوعي والإدراك بطريق النهضة وإن كان طويلا ومتعثرا، .. لكن يمكن ملاحظة كثير من الإنجازات والإيجابيات، ولا بد أيضا من الأخذ بالاعتبار التحولات الكبرى والجذرية التي تحيط اليوم بعالمنا وحياتنا ومواردنا وأعمالنا ومؤسساتنا، وتجعلنا نعيد النظر في محاولات الفهم.
قدم الأستاذ عزمي محافظة، رئيس الجامعة الأردنية، إيجازا لحال النهضة ومشروعها في ملاحظة العمليات والتفاعلات والعلاقات المحيطة بمشروع النهضة، إضافة إلى الصهيونية والاستبداد والصراعات الداخلية، وحدد البداية بالحرية وتمسك المواطنين بحقوقهم الأساسية وتفعيل الشباب.
وعرض الدكتور محمد أبو حمور، أمين عام منتدى الفكر العربي، مشاريع المنتدى للنهضة، مثل الميثاق الاجتماعي والميثاق الاقتصادي والميثاق البيئي والميثاق الثقافي في إطار مشروع النهضة الفكرية العربية.
في معاينة الواقع الحالي، قدم الأستاذ زيد عيادات رئيس مجلس أمناء منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، مقاربة جديدة في تحديد النهوض والفشل، .. أزمة الأخلاق وفوضى المعايير والقيم التي أنتجت الفساد السياسي والمالي، وأزمة الهوية التي أنتجت العنف والتطرف والانقسام والاغتراب، وأزمة الدولة التي سُخرت لتجميع الثروة وتقاسم النفوذ وإقصاء المنافسين واستعباد المواطنين وتصارع النخب والعائلات والقبائل ما تسبب بفشل مشروع بناء الدولة.
كان الجديد في مقاربات المؤتمر مسألتين: الانتقال إلى الأهداف العملية والواقعية بما هي الحريات والازدهار والتنمية، وتجاوز الأهداف والقضايا والتفسيرات الكبرى والأيديولوجية، والإدراك الواقعي لمتواليات وتداعيات التحولات الاقتصادية والاجتماعية وما ينشأ عنها من أفكار وقيم ومؤسسات جديدة!
وبالطبع فإنه ليس أمرا سهلا إدراك الحكمة المتعلقة بالتحولات الكبرى الجارية اليوم، فهي في بدايتها ولم تكتمل بعد، وليس لدينا في فهمها سوى التجربة التاريخية وما نشأ عنها من حكمة وتراث، وهي لسوء حظنا ليست مرتبطة إلى حد كبير بالتحولات والمرحلة الجديدة، ولا تفيدنا إلا بنسبة ضئيلة.
مؤكد أن الإنسان يبحث ويفكر في القيم الجديدة والناشئة، وتلك المتغيرة بفعل التحولات التي تجري في الأسواق والموارد. وبسبب سرعة هذه التحولات وجذريتها، فإن الأفراد والمجتمعات يعطيان أولوية وأهمية لأسلوب الحياة، باعتباره التكيف الضروري الذي يجب اتباعه. وكانت الفردية ضريبة تؤدى في مجتمعات واقتصاد الصناعة، لكنها تتحول في اقتصاد المعرفة إلى فضيلة وضرورة اجتماعية، يحمي بها الإنسان نفسه من الانتهاك والخواء. وهكذا، تصعد قيم الفردية باعتبارها مبدأ أخلاقياً رفيعاً وحقاً جديداً للإنسان، ليحمي نفسه من تداعيات التقنيات الجديدة ومتوالياتها، وليرتقي بنفسه، ويحل فيها القيم والمعرفة والمهارات الجديدة التي تحميه من المجتمع واتجاهاته الجديدة.
لكن يظل حالنا مع سؤال النهضة في إلحاحه وفي لهفتنا على إجابته، كما قال المتنبي:
قد سألنا ونحن أدرى بنجد
        أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من السؤال اشتياق
        وكثير من رده تعليل

التعليق