اقتصادنا ومؤتمر المانحين

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2018. 12:10 صباحاً
  • عامل يضبط صمام أنبوب نفط في حقل غرب القرنة في محافظة البصرة - (ارشيفية)

 حيدر زكي عبدالكريم*

منذ اكتشاف النفط العراقي في العام 1927 ومن ثم استخراجه وتصديره على أسس ربحية وضع أمام الحكومات العراقية منذ الحقبتين الملكية والجمهورية، تحديد أسس استثمار الموارد الطبيعية، وبعد تأسيس وزارة التخطيط وفق القانون 54 للعام 1959 وتحديدا مع العامين 1964-1965 بدأت تظهر ملامح الخطط الاقتصادية، وفي ظل الاستقلال السياسي والاقتصادي كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية تسير وفق الخطط المرسومة حتى إنه صدر قانون خطة التنمية القومية 1970-1974 ودور مساهمة الشركات الأجنبية، فلم يكن للعراق وحكوماته السابقة أي عقدة وحساسية من التعامل مع أي شركة في العالم على الأسس التي تضمن نفعا متبادلا مشروعا بالمقاييس الوطنية والقومية والأممية، حتى إن المشاريع وفق التقارير الرسمية بتلك الفترة كانت انفجارية، فتعامل العراق مع شركات غربية وأميركية وشركات سوفييتية واشتراكية مع إعطاء الأولوية لها، على حد وصف البعض.
أما فترة الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 وفي ذروتها، كانت الشركات والمشاريع التنموية والخطط الخمسية وحتى الاستثمارية مستمرة، ونقلاً عن ما جاء في التقرير المركزي الصادر عن المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي المنعقد في حزيران (يونيو) 1982 : " إن تنفيذ خطة شاملة وطموحة يتطلب الاستعانة بالشركات والمؤسسات والخبرة الأجنبية، وقد حرصت قيادة الحزب على تنويع التعامل مع الدول في هذا الميدان لكي لا ترتبط خطة التنمية الوطنية بأي جهة أجنبية محددة بما قد يقيد إرادتنا الوطنية الحرة ويمس استقلالنا، ومع الاهتمام بالنوعية في تنفيذ المشاريع، وعامل سرعة الإنجاز الضروري جدا، والأسعار، فإن القيادة غالبا ما كانت توزع الفرص على الشركات والمؤسسات والدول الأجنبية وفق منظور سياسي يحمي الاستقلال الوطني والإرادة الوطنية من أي شكل من أشكال التلاعب أو التأثير، ويربط تلك الفرص بمواقف الدول المستفيدة من قضايانا الوطنية والقومية، وقد أعطت هذه السياسة نتائج ممتازة في  مرحلة الحرب. إن الاستقلال الاقتصادي الكامل للعراق، وقدرته الحرة على التعامل الاقتصادي مع كل بلدان العالم، والسياسة الصائبة بتأمين احتياطيات للظروف الطارئة قد شكلت إحدى الدعائم الأساسية في نجاح المعركة، وجعلت التجربة العراقية مستقلة تمام الاستقلال ومزدهرة، وسارت خطة التنمية في حلقاتها الأساسية وفق المنهج المحدد لها من قبل القيادة".
وفي ظل تلك الظروف، كان لدينا قطاع زراعي منتج ومُزارع يعمل بدون كسل وخمول وقلة الهجرة من الريف إلى المدينة وفائض يُصدر من المحاصيل الغذائية والداخلة بالصناعة والعلف وثروة حيوانية؛ حيث كانت تسهم في إنتاجها بأكثر من نصف إيراد القطاع الزراعي، وتحتل الثروة الحيوانية المرتبة الثالثة بعد النفط والزراعة فتتوفر فيها من الأبقار والأغنام والابل والدواجن وخلايا النحل والأسماك وغيرها . يضاف اليها الصناعات التحويلية مثل الغذائية " الزيوت النباتية والسكر والألبان " والمنسوجات " الغزل والنسيج بأنواع مصادره والجلود ومعامل الألبسة الجاهزة" وصناعة المواد الإنشائية "الاسمنت والطابوق " والصناعات الكيميائية "التكرير والغاز السائل والبتروكيمياوية والزجاج والورق والأدوية؛ حيث كان معمل أدوية سامراء من المعامل المهمة والحديثة في الشرق الأوسط وذات العلاج الفعال الذي نافس حتى الأجنبي بشهادة الخبراء. وكذلك الصناعات المعدنية الثقيلة والخفيفة وتجميع السيارات والسمكرة ومصانع التصنيع العسكري للأغراض الحربية وغير الحربية، ويضاف لها نشاط السياحة والاصطياف؛ فالعراق يمتلك موارد مهمة من السياحة الأثرية والدينية ومناطق الاصطياف في شمال العراق – كردستان العراق حاليا كلها جعلت من الاقتصاد العراقي اقتصادا متنوعا وليس أحاديا يعتمد على الثروة المعدنية (النفط) فقط  وعلى سبيل المثال نقتبس عن كتاب ( تنفيذ الشركات الأجنبية لمشاريع التنمية في العراق لمؤلفه نجدت صبري عقراوي، ط1، بغداد  1986، ص39: ما يأتي "أن من أبرز المشاريع الكبرى التي أسهمت الشركات الأجنبية بتنفيذها مشروع الخط الاستراتيجي – أنبوب النفط - ومشروع الميناء العميق ومشروع فوسفات عكشات ومشروع تسييل الغاز الطبيعي ومشروع مصفى القير ومشروع عدم الانحياز- النقل السريع " ونشير هنا إلى أن هذا الطريق يربط العراق من دولة الكويت الى المملكة الأردنية الهاشمية الى تركيا، وكل هذه المشاريع بمشاركة العراقيين وغيرها من المشاريع.
وما بعد أحداث 2 آب (أغسطس) 1990 وما ترتب عليها من آثار وخيمة دفع ثمنها العراق في تسعينيات القرن   الماضي- سنوات العقوبات الدولية (الحصار الاقتصادي)، بدأ الاقتصاد ينهار والعملة أصبحت ورقية من دون قيمة  تُذكر وكانت معاناة العراقيين وبدايات هجرتهم وضعف حالتهم المعيشية، ومع كل هذا وفي زمن القحط كان العراقي يعمل وينتج وأغلب القطاعات السابقة أسهمت في إعادة تشغيل الحركة الاقتصادية الراكدة، حتى ما نزال نتذكر بناء محطات تشغيل الطاقة الكهربائية ومصافي المياه وبناء الطرق والجسور التي أعيدت بعد فترة وجيزة من دمار حرب الخليج الثانية العام 1991، وهذا ليس دفاعاً عن أحد، حتى قيل في حينها سيتم ارجاع العراق الى عصر ما قبل الصناعة الى أن جاءَ الاحتلال الأميركي العام 2003. وبمرور أكثر من خمسة عشر عاما لم يشهد لها مثيل بتاريخ العراق الا في الأزمان السابقة - عُقد مؤتمر المانحين - وفي البدء نثمن دور غرفة التجارة الكويتية والدول المانحة على مسعاها، لكن يرى البعض أنها صدقات والبعض الآخر يرى أنها بفائدة ولا فائدة ونحن نقول - أهل مكة أدرى بشعابها، ولأمور يمكن إيجازها بما يلي:
-     الكل يعرف أن علم الاقتصاد هو استغلال الموارد لإنتاج سلع وخدمات لفائدة المجتمع .
-     الكل يجب أن يعرف ماهية المشكلة الاقتصادية في العراق من خلال الندرة؛ أيّ ماذا ينتج الآن وكيف يتم الإنتاج ولِمَنْ تُنْتَج "الاختيار" ؟
 -    هل الفعاليات الاقتصادية سليمة في العراق "الإنتاج، التبادل، التوزيع، الاستهلاك".
-      بالنسبة للدول المانحة فهي مترددة من المخاوف الأمنية والفساد.
-     ما معنى الفساد؟ هل هو إساءة استعمال السلطة العامة فقط، له كثير من الأوجه ومنها " الكسب غير المشروع، عدم تفعيل قانون من أين لك هذا، التحريض، تشويه الحقيقة، التلاعب والاحتكار، الابتزاز والغش، التزوير والاختلاس، الرشوة والسرقة، مع الروتين والبيروقراطية ". كلها فساد . 
-    نحن كدولة نامية تواجه ظواهر خطيرة مثل الأمن الذي يؤثر على التنمية والبنى التحتية والقاصي والداني يعرف ما حدث للعراق بسبب هجوم داعش الإرهابي الذي هو في حقيقة الأمر اجتاح العراق نتيجة لأسباب داخلية وخارجية .
-      نحتاج الى بيئة تنموية في مختلف المجالات .
-     وإن تحقق ما يطمح إليه العراق من قروض الفائدة فهي على المستوى البعيد تصيب العراقيين من أصحاب الدخل المحدود والطبقة الوسطى التي بدأت تتلاشى، وخير مثال هناك أفراد يمتلكون أرصدة وعقارات خارج الحد الطبيعي، وأناس لا يملكون حتى قوتهم اليومي، يعني أن هنالك خللا في اقتصاد الدولة.
 -    صرّح مسؤولون عراقيون أن مؤتمر المانحين لا يفي بالغرض من الأموال المعروضة، لكن يحق لنا أن نسأل، من تسبب بانهيار اقتصاد الدولة هل (نحنُ) أم المواطن البسيط؟ أم من هم في خيام التشرد داخل وطنهم أو من غرق وراء البحار أو من هاجر لسببِ من هنا وهناك . مع ملاحظة مهمة أن طبيعة الإنسان العراقي الاجتماعية هي أنه لا يرغب بالهجرة الا مضطراً.
-    عندما ابتلينا بالأزمة الاقتصادية قال البعض إنها عالمية، ولكن لماذا لم ندّخر مليارات الدولارات من الموازنات السابقة والتي أهدرناها هباءً منثورا، هل السبب في أن اقتصادنا يسير وفق نظرية "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" أم على طريقة الفانوس السحري .
-    هل يعلم البعض من أبناء جلدتي - أن الأموال التي تبددت على مشاريع وهمية وبأيّ شكل آخر تعادل ميزانيات دول أخرى ومنها على سبيل الحصر مصر الشقيقة – فاعتمادها على السياحة وقناة السويس وقطاعات إنتاجية متنوعة، وها قد بلغ عدد سكانها تسعين مليون نسمة وهي تصدر وتبني وتوظف، ولا نعني بأنها فقيرة لكن الاقتصاد مسألة إمكانيات وقدرات - نعم -  إن حدة المشاكل الاقتصادية تختلف من بلد الى آخر، فالمشكلة في بلد افريقي مثلاً، تختلف عنها في أقطار الخليج العربي، وعنهما في بلدان أميركا الشمالية وهكذا . ولا نرغب بأن نتدخل في الشأن الداخلي لهذه الدول بقدر الاستعانة كشهادة لا أكثر ولا أقل . والتي كُنا نتنافس معها في يوم من الأيام ....
 وأخيراً : لقد اشترك العراقيونَ في بناء وطنهم بكل مكوناتهم في السابق ولم يكن هنالك من يدّعي الماءَ لنا والنفط لكم فهي ثروات القطر ولكل الشعب . وما أحوجنا اليوم الى وصية ذلك الرجل الحكيم الذي قالَ "عندما تجتمع العصا في حزمة واحدة يصعب كسرها ".

*كاتب من العراق

التعليق