سائد كراجة

شحرور في عمان

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2018. 12:03 صباحاً

منذ خمسين عاماً، انشغل المفكر الإسلامي الدكتور المهندس؛ محمد شحرور، بقراءة معاصرة للقرآن الكريم، وقد بحث شحرور في القرآن عن الرحمة،
{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وعن العالمية {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}، وعن الخاتمية؛ {..وَلكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِّييِنَ..}، فوجدها جميعاً في القرآن. قراءة شحرور للنص القرآني تختلف عن قراءة وتفسير الفقهاء جميعاً، بل إنه يصرح علانية أن الفقهاء المسلمين قلدوا المسيحية التي جاءت رسالتها بمنطق "قال المسيح" وذلك عن طريق خلق نمط تفكير مشابه مفاده "قال رسول الله" وبهذا حول الفقهاء المسلمون مركز الدين من النص المقدس إلى التفسير غير المقدس.
المحرمات –كما يشير شحرور- محددة بالقرآن بأربعة عشر محرماً فقط، والتحريم وظيفة إلهية لا يجوز لبشر الزيادة عليها، أما تنظيم الحلال فهو مهمة للدولة، فعبور الطريق مثلاً حلال لكن تنظيمه بإشارات مرورية من مهمة الدولة، وبهذا يتضح أن تنظيم الحلال متغير حسب الظروف الموضوعية لزمان تطبيق النص، ولكن فقهاء المسلمين -برأي شحرور- انشغلوا بتوسيع دائرة "الحرام" وليس بتنظيم "الحلال"، فحجبوا بذلك سماحة الإسلام وعالميته.
يقوم مشروع  شحرور في تفسير القرآن على مجموعة مبادئ أساسية منها:
القرآن الكريم كتاب مقدس منزلٌ من حي هو الله عز وجل، وموجه إلى أحياء هم البشر في كل العالم، ولهذا فإن تفسير القرآن يكون حسب النظام المعرفي وأدوات المفسر وعصره، وهو بهذا صالح  للفهم وإعادة الفهم في كل زمان ومكان، وبعبارة أدق فإن النص المقدس هو الصالح لكل زمان ومكان وليس الفقه الذي هو متغير حسب الأدوات المعرفية للمفسر وحسب عصره.
المبدأ الثاني أن كتاب الله الذي خلق الكون والإنسان بدقة متناهية يجب أن يكون بذات دقة الخالق والخلق، وبهذا فلا ترادف ولا حشو في النص القرآني، فإن استخدم النص القرآني لفظ ولد في الآية، فلا يشمل الابن كمترادف لكلمة ولد، والفرقان عنده غير القرآن وغير الكتاب.
وقد توصل شحرور بعد أن رفض كتب التفسير جميعاً إلى جملة من الخلاصات تُعَد انقلابية في فهم القرآن؛ منها:
إن تفسير الفقهاء لنصوص القرآن المتعلقة بالميراث غير دقيقة، وإن التفسير الصحيح من وجهة نظره؛ هو انتقال الثروة بالوصية أولاً، فإن أغفل المسلم الوصية فتطبق على ثروته أحكام الميراث كما وردت في القرآن، وأحكام الميراث كما فهمها شحرور من القرآن لا تقول إن للذكر مثل حظ الأنثيين الا في حالات محدودة حسب منطوق النص القرآني.
أما  تعدد الزوجات حسب فهمه، فهو غير مباح إلا في الزواج من الأرملة التي عندها ولد وبشرط القدرة على العدل بين أولاده وأولاد تلك الأرملة التي يرغب بالزواج منها .الحجاب عنده حسب النص القرآني هو ستر "الجيوب" في جسم المرأةً وأن غطاء الرأس ليس من الحجاب، وبهذا فإن معظم السيدات في ثيابهن العادية متحجبات.
في عمان وفي مؤتمر "النهضة العربية" الذي نظمته المنظمة العربية للديمقراطية والتنمية، قال مخاطباً الشباب ما يمكن تلخيصه: تجنبوا المحرمات كما وردت في القرآن وعيشوا حياتكم بهناء، ثقوا بالله وتخلصوا من عقدة الذنب، فالله عادل وعدالته مطلقة، ولم يخلقنا كي نتعذب في العالم الآخر، وهو رؤوف رحيم، وسعت رحمته كل شيء.
شحرور مدرسة فكرية تبشر بإمكانية إحداث إصلاح حقيقي في الأدوات الفقهية لفهم النص وقراءته تقرب الإسلام للعالمية، وهي قراءةٌ تبشر بوجود حركة من داخل الفكر الإسلامي تقدم الإسلام للعالم بقيمه، وبهذا تحدث تصالحاً مع الدولة كنظام إنساني يقوم على سيادة القانون، فهل نستقبل مشروع شحرور بحسن الظن على الأقل؟
مباركة خطوة المنظمة العربية للديمقراطية والتنمية في استضافة مفكرين عرب وأردنيين، للبحث في قضايا فكرية وثقافية، وندعو المجتمع المدني إلى مزيد من الاهتمام بقضايا النهضة العربية والفكرية والثقافية والاقتصادية فقد أشبع الفضاء الأردني سياسة على أهميتها. وأخيراً نقول إن تجديد فهم الدين قد يكون أمراً ضرورياً للنهضة لكنها -أي النهضة- ليست حتمية بتحققه؛ فللنهضة أسبابها المادية وأولها النهوض العلمي والاقتصادي والتركيز فقط على تجديد فهم الدين قد يصل أحياناً حد التستر على الأسباب الحقيقية للنهضة وأهمها على المستوى الإنساني الاعتراف بفردانية المواطن العربي وحرياته العامة.

التعليق