محمد أبو رمان

هي فوضى

تم نشره في الخميس 3 أيار / مايو 2018. 12:09 صباحاً

شهدت جلسات مؤتمر الإسلام السياسي نقاشاتٍ معمّقمة وواسعة حول واقع الحركات الإسلامية والصورة المستقبلية، والطريف في الأمر أنّ جزءاً كبيراً من الجلسات والسجالات بين الجمهور، وقبل ذلك بين الباحثين المشاركين تمحور حول شرعية مصطلح "الإسلام السياسي" نفسه، وما بعد الإسلام السياسي، بالرغم من أن المؤتمر كان مخصصاً لمناقشة "ظاهرة ما بعد الإسلام السياسي".
الباحثون ناقشوا المصطلح نفسه "ما بعد الإسلام السياسي"، وفككوه، وحللوا المقاربات والسياقات التي ولد فيها، فيما دعا وزير الشؤون السياسية، موسى المعايطة، في كلمته الافتتاحية إلى تدشين "حوار صريح"، وطرح الإشكاليات والهواجس التي تقدّمها الأطراف السياسية الأخرى من خطاب الإسلاميين ومصداقيته وجديّته، بينما طرح إسلاميون وحاضرون وباحثون هواجس التيارات الإسلامية نفسها، ومدى السماح لها بالعمل أصلاً في المجال السياسي.
هذا التباين القائم بين الإسلاميين والأطراف الأخرى يطرح بنفسه سؤالاً عن مدى أهمية الحوار العقلاني الموضوعي العميق والصريح في مجتمعاتنا، ذلك أنّ مداخلات نسبة كبيرة من الجمهور، أمس، وهي للأمانة ملاحظة على أغلب الندوات والمؤتمرات المفتوحة التي أحضرها، أنّ هنالك مشكلة كبيرة في فوضى المفاهيم وفي مفهوم الحوار نفسه، فنحن لا نعرف ماذا نعني بالحوار العقلاني والموضوعي، في كثير من الأحيان، يذهب أغلب الجهود والندوات والمؤتمرات أدراج الرياح، وما يسمى حوار أو ندوات تفقد قيمتها، لأنّنا لم نفهم بعد مفهوم الحوار، وقواعده واستراتيجياته أهدافه.
ما ألاحظه دوماً أنّ نسبة كبيرة من الحضور، وأعني الجمهور الأردني، لا تتفق على شيء تقريباً، فمثلاً في ندوة أمس كان هنالك من الحضور، الجمهور العادي، من يرى بأنّ الإسلام السياسي هو مؤامرة غريبة لضرب الحركات القومية، وأنّه بضاعة غربية، وفي المقابل من رفض رفضاً قاطعاً مصطلح الإسلام السياسي، لأنّه لا علاقة بين الإسلام والسياسة، أو على النقيض من ذلك هنالك من يرى بأن الإسلام كله سياسة، ولا يمكن فصل أو غربلة الديني من السياسي، وهكذا في الموقف من كل شيء تقريباً داعش، والإخوان والدين والمجتمع، والثقافة...
لو عمّمنا ما سبق على مختلف مناحي ومجالات الحياة العامة في الأردن، وما يحدث حولنا سنجد الملاحظة نفسها، أي فوضى كاملة في المفاهيم والآراء وحوار بلا أي نتائج وأهداف واستراتيجيات واضحة.

خذ مثلاً على ذلك مفهوم الإصلاح السياسي والاقتصادي  والدولة المدنية والليبرالية..الخ، كل مؤتمر نحضر فيه ندخل في نقاش المصطلحات ولا نخرج من ذلك، مع حضور دائم لنظرية المؤامرة في كل شيء، حتى في الموضوعات المطروحة.
بالضرورة، في العلوم الاجتماعية هنالك دوماً نقاش في المصطلحات والمفاهيم، فالعلمانية والديمقراطية والدولة المدنية وأغلب هذه المصطلحات لديها معان ودلالات متعددة، وفي أحيان متضاربة، لكننا في مؤتمراتنا وندواتنا نغرق في المصطلحات ولا نتحرك إلى المفاهيم الإجرائية والمضامين.
الخلاصة التي أريد أن أصل بكم إليها هي أنّنا نعيش في الأردن، وربما في العالم العربي، في حالة فوضى كبيرة في المفاهيم والأفكار، من دون التوافق على أرضيات مشتركة صلبة نبني عليها، وهو ما يجعل رؤيتنا لكثير من القضايا العامة والوطنية مشتتة وغائمة.

التعليق