آرنس يفضل بقاء اللاجئين الفلسطينيين أعداء إلى الأبد

تم نشره في الجمعة 4 أيار / مايو 2018. 12:10 صباحاً
  • فلسطينيون خلال مسيرات العودة في غزة الجمعة الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

 داليا شايندلين

المظاهرات في غزة في الاسابيع الاربعة الاخيرة، تحت عنوان "عودة اللاجئين" تثير مشاعر مختلطة ومشاعر العداء في قلوب إسرائيليين كثيرين. بدون شك فان مسألة اللاجئين الفلسطينيين هي وصفة لحل على المستوى التقني والرمزي معا. ولكن كل ذلك لا يبرر تشويهات تاريخية وعدم دقة بخصوص وضع لاجئي حروب اخرى في العالم، كما فعل موشيه آرنس ("هآرتس"، 23/4).
آرنس مثله مثل كثيرين قبله يزعم أن اللاجئين الفلسطينيين وحدهم تم استخدامهم كـ "جرح من شأنه أن يمنع التوصل إلى سلام". يبدو أنه منذ سنين، إن لم يكن منذ عقود، الاسرائيليون يلوحون براية الـ "لا يوجد أحد آخر يفعل ذلك". في نزاعات اخرى، كتب آرنس، فان لاجئي الحرب تم اسكانهم من جديد. بهذا هو محق جزئيا – باستثناء أن اللاجئين لم يتم توطينهم حسب وصفه.
لنبدأ بيوغسلافيا السابقة، بخصوصها يقول آرنس إنه بعد أن تفككت في التسعينيات "تم اقتلاع ملايين الناس من بيوتهم بسبب المعارك في البوسنة وكرواتيا وكوسوفو. اغلبيتهم وجدوا لأنفسهم بيوت جديدة". ليس واضحا على ماذا يرتكز قوله هذا. اذا دققنا، حسب ممثلية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فانه حتى العام 2004، تقريبا 1000473 لاجئا عادوا إلى البوسنة من الخارج، أو عادوا إلى المناطق التي جاءوا منها داخل البوسنة. أي أنه بعد أقل من عقد على انتهاء الحرب، تقريبا نصفهم (أكثر من مليون من أصل مليوني لاجئ تقريبا) عادوا إلى دولتهم وتم توطينهم فيها من جديد.
في كوسوفو فإن الحرب في ربيع 1999 حولت حوالي 1000 شخص إلى لاجئين، في خارج كوسوفو أو داخلها، لكن حتى آب 1999، أي بعد حوالي شهرين على انتهاء الحرب، فقد أبلغت ممثلية الامم المتحدة عن عودة حوالي ثلاثة ارباع مليون لاجئ. وفي نهاية آب (اغسطس) 1999 قالت الممثلية إن حوالي 95 في المائة من اللاجئين عادوا. منذ ذلك الحين معظم الجهود تركزت في دمج اقليات، بما في ذلك الصربيين الذين عادوا هم أيضا إلى بيوتهم في كوسوفو، وكذلك في كرواتيا، رغم صعوبة العيش إلى جانب الاعداء في الحرب الدموية التي حدثت في الماضي غير البعيد.
عودة اللاجئين إلى كوسوفو اعتبرت حتى الآن قصة نجاح: بحث تقديري لأداء الممثلية قرر بأن معالجة اللاجئين من كوسوفو كانت جيدة، والعودة كانت سريعة بشكل خاص، بمبادرة اللاجئين انفسهم وبدعم المجتمع الدولي. وآرنس بالتحديد اختار كوسوفو كمثال لعدم عودة اللاجئين؟.
أحد اسباب أن المجتمع الدولي الذي عمل على تحقيق عودة سريعة إلى كوسوفو كان خشية الدول المجاورة من توطين اللاجئين على حدودها، أي أن دول الغرب خشيت من استيعاب عدد كبير من اللاجئين الذين كانوا اخوانهم في القارة. ولكن آرنس لا يتهمها بالاستغلال والألاعيب السياسية بغرض منع التوصل إلى اتفاق سلام. من المريح له أكثر أن ينسى تماما حقيقة أن أوروبا لم تسمح فقط، بل حتى شجعت عودة لاجئين كثيفة في يوغسلافيا. في التقرير التقديري حول نشاط ممثلية الامم المتحدة ذكر أيضا خوف دول معينة من أن يتحول لاجئو كوسوفو إلى "الفلسطينيين الجدد".
الادعاء أنه فقط في الحالة الفلسطينية ترفض الدول التي يعيش فيها اللاجئون توطينهم، وذلك بهدف التأثير على الحل الدائم للنزاع، ليس صحيحا. في الحرب بين اذربيجان وأرمينيا حول اقليم نغورنو كرباخ في بداية التسعينيات فقد حوالي مليون شخص بيوتهم – ثلاثة ارباعهم اذربيجانيين هربوا، سواء من منطقة كرباخ الواقعة في اذربيجان أو من أرمينيا (الباقون كانوا على الاغلب أرمن هربوا من اذربيجان).
حتى السنوات الاخيرة، تقريبا 600 ألف لاجئ من اذربيجان لم يتم توطينهم بصورة دائمة، رغم أنهم يعيشون في دولتهم القومية – اذربيجان. حتى حكومة اذربيجان تسميهم "مهجرين"، لأنها لا تعترف بالاستقلال الفعلي لاقليم كرباخ، بل تتعامل معه كمنطقة اذربيجانية تقع تحت الاحتلال الأرمني.
من اجل دعم هذا الموقف السياسي، بحيث أنه في الاتفاقات المستقبلية يتم الاعتراف بحق عودة اللاجئين الاذرباجيين، فان الحكومة ترفض توطين مئات الآلاف بصورة دائمة. حتى السنوات الاخيرة قسم منهم كان يعيش في مخيمات لاجئين حقيقية، وحتى الآن عدد منهم يعيش في بلدات مخصصة لهم، وهناك يعانون من تدني مستوى التطور للخدمات الاجتماعية والبنى التحتية. أي أن مئات الآلاف لم يتم استيعابهم داخل المجتمع الاذربيجاني من خلال التمسك بحل سياسي مستقبلي مفضل. وبالفعل، الخطوط العامة لحل النزاع هناك، والمقولة لدى المجتمع الدولي، تشمل مبدأ عودة اللاجئين.
كل ذلك لا يبرر بأي شكل من الاشكال التعامل الوضيع مع اللاجئين. ولكن النظرة إلى أن طلب العودة هو استثنائي وخاص للفلسطينيين، هي كاذبة.
أخيرا، إن أتباع مقاربة آرنس يعودون مرارا وتكرارا إلى الادعاء بأن الالمان السوداتيين انتقلوا إلى المانيا. ليس من الواضح لماذا يصممون على الاشارة إلى مثال الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي فيه العالم بعد تلك الحرب يتصرف حسب قواعد مختلفة جوهريا، لكن في هذه المقارنة يوجد شيء من الخطأ الأكثر خطورة: اللاجئون الالمان انتقلوا إلى المانيا، يبدو أنه لا توجد حاجة لتذكير آرنس ومن يطرحون ادعاءات مشابهة بأنه لا يوجد بعد للاجئين الفلسطينيين دولة فلسطينية يعودون اليها. عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين لا توجد لديهم جنسية – منذ خمسين أو سبعين سنة، لأنه خلافا للاجئين في كل الأماكن الاخرى التي ذكرها آرنس، ليس لديهم أي دولة يستطيعون أن يعتبروها وطنا لهم.
لقد حان الوقت لدفن اسطورة أنه في كل مكان آخر في العالم فان اللاجئين في وضع مشابه لوضع الفلسطينيين، يسلمون بمصيرهم. وفقط الفلسطينيون يرفضون ذلك. إن عدم الدقة التاريخي هذا يدل على أن من يتبنى هذه الاسطورة معني بالغاء حاجة الفلسطينيين إلى حلول، ويفضلهم كأعداء إلى الأبد.

التعليق